فصل: فصل بَيَانِ ما يَسْقُطُ بَعْدَ الْوُجُوبِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ***


فصل شَرَائِطِ الْمَحَلِّيَّةِ

وَأَمَّا شَرَائِطُ الْمَحَلِّيَّةِ فَأَنْوَاعٌ منها أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ عُشْرِيَّةً فَإِنْ كانت خَرَاجِيَّةً يَجِبُ فيها الْخَرَاجُ وَلَا يَجِبُ في الْخَارِجِ منها الْعُشْرُ فَالْعُشْرُ مع الْخَرَاجِ لَا يَجْتَمِعَانِ في أَرْضٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا وقال الشَّافِعِيُّ يَجْتَمِعَانِ فَيَجِبُ في الْخَارِجِ من أَرْضِ الْخَرَاجِ الْعُشْرُ حتى قال بِوُجُوبِ الْعُشْرِ في الْخَارِجِ من أَرْضِ السَّوَادِ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ ذَاتًا وَمَحَلًّا وَسَبَبًا فَلَا يَتَدَافَعَانِ أَمَّا اخْتِلَافُهُمَا ذَاتًا فَلَا شَكَّ فيه وَأَمَّا الْمَحَلُّ فَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ في الذِّمَّةِ وَالْعُشْرُ يَجِبُ في الْخَارِجِ وَأَمَّا السَّبَبُ فَلِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْخَرَاجِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ وَسَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ الْخَارِجُ حتى لَا يَجِبُ بِدُونِهِ وَالْخَرَاجُ يَجِبُ بِدُونِ الْخَارِجِ وإذا ثَبَتَ اخْتِلَافُهُمَا ذَاتًا وَمَحَلًّا وَسَبَبًا فَوُجُوبُ أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْآخَرِ‏.‏

وَلَنَا ما رُوِيَ عن ابْنِ مَسْعُودٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ في أَرْضِ مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ أَحَدًا من أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَوُلَاةِ الْجَوْرِ لم يَأْخُذْ من أَرْضِ السَّوَادِ عُشْرًا إلَى يَوْمِنَا هذا فَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْعُشْرِ فيها يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ فَيَكُونُ بَاطِلًا وَلِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِمَا وَاحِدٌ وهو الْأَرْضُ النَّامِيَةُ فَلَا يَجْتَمِعَانِ في أَرْضٍ وَاحِدَةٍ كما لَا يَجْتَمِعُ زَكَاتَانِ في مَالٍ وَاحِدٍ وَهِيَ زَكَاةُ السَّائِمَةِ وَالتِّجَارَةِ‏.‏

وَالدَّلِيلُ على أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِمَا الْأَرْضُ النَّامِيَةُ أَنَّهُمَا يُضَافَانِ إلَى الْأَرْضِ يُقَالُ خَرَاجُ الْأَرْضِ وَعُشْرُ الْأَرْضِ وَالْإِضَافَةُ تَدُلُّ على السَّبَبِيَّةِ فَثَبَتَ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ فِيهِمَا هو الْأَرْضُ النَّامِيَةُ إلَّا أَنَّهُ إذَا لم يَزْرَعْهَا وَعَطَّلَهَا يَجِبُ الْخَرَاجُ لِأَنَّ انْعِدَامَ النَّمَاءِ كان لِتَقْصِيرٍ من قِبَلِهِ فَيُجْعَلُ مَوْجُودًا تَقْدِيرًا حتى لو كان الْفَوَاتُ لَا بِتَقْصِيرِهِ بِأَنْ هَلَكَ لَا يَجِبُ وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْعُشْرُ بِدُونِ الْخَارِجِ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ بِبَعْضِ الْخَارِجِ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهُ بِدُونِ الْخَارِجِ وَعَلَى هذا قال أَصْحَابُنَا فِيمَنْ اشْتَرَى أَرْضَ عُشْرٍ لِلتِّجَارَةِ أو اشْتَرَى أَرْضَ خَرَاجٍ لِلتِّجَارَةِ أَنَّ فيها الْعُشْرَ أو الْخَرَاجَ وَلَا تَجِبُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ مع أَحَدِهِمَا هو الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُمْ‏.‏

وَرُوِيَ عن مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجِبُ الْعُشْرُ وَالزَّكَاةُ أو الْخَرَاجُ وَالزَّكَاةُ وَجْهُ هذه الرِّوَايَةِ أَنَّ زَكَاةَ التِّجَارَةِ تَجِبُ في الْأَرْضِ وَالْعُشْرُ يَجِبُ في الزَّرْعِ وإنهما مَالَانِ مُخْتَلِفَانِ فلم يَجْتَمِعْ الْحَقَّانِ في مَالٍ وَاحِدٍ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ في الْكُلِّ وَاحِدٌ وهو الْأَرْضُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُضَافُ الْكُلُّ إلَيْهَا يُقَالُ عُشْرِ الْأَرْضِ وَخَرَاجُ الْأَرْضِ وَزَكَاةُ الْأَرْضِ وَكُلُّ وَاحِدٍ من ذلك حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَمْوَالِ النَّامِيَةِ لَا يَجِبُ فيها حَقَّانِ منها بِسَبَبِ مَالٍ وَاحِدٍ كَزَكَاةِ السَّائِمَةِ مع التِّجَارَةِ وإذا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى اجْتِمَاعِ الْعُشْرِ وَالزَّكَاةِ وَاجْتِمَاعِ الْخَرَاجِ وَالزَّكَاةِ فَإِيجَابُ الْعُشْرِ أو الْخَرَاجِ أَوْلَى لِأَنَّهُمَا أَعَمُّ وُجُوبًا أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَا يَسْقُطَانِ بِعُذْرِ الصِّبَا وَالْجُنُونِ وَالزَّكَاةُ تَسْقُطُ بِهِ فَكَانَ إيجَابُهُمَا أَوْلَى وإذا عُرِفَ أَنَّ كَوْنَ الْأَرْضِ عُشْرِيَّةً من شَرَائِطِ وُجُوبِ الْعُشْرِ لَا بُدَّ من بَيَانِ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فيه أَنَّ الْأَرَاضِيَ نَوْعَانِ عُشْرِيَّةٌ وَخَرَاجِيَّةٌ‏.‏

أَمَّا الْعُشْرِيَّةُ فَمِنْهَا أَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا قال مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَرْضُ الْعَرَبِ من الْعُذَيْبِ إلَى مَكَّةَ وَعَدَنَ أَبْيَنَ إلَى أَقْصَى حِجْرٍ بِالْيَمَنِ بِمُهْرَةِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ هِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ وَتِهَامَةَ وَالْيَمَنِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْبَرِّيَّةِ وَإِنَّمَا كانت هذه أَرْضَ عُشْرٍ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ لم يَأْخُذُوا من أَرْضِ الْعَرَبِ خَرَاجًا فَدَلَّ أنها عُشْرِيَّةٌ إذْ الْأَرْضُ لَا تَخْلُو عن إحْدَى الْمُؤْنَتَيْنِ وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يُشْبِهُ الْفَيْءَ فَلَا يَثْبُتُ في أَرْضِ الْعَرَبِ كما لم يَثْبُتْ في رِقَابِهِمْ وَالله أعلم‏.‏

وَمِنْهَا الْأَرْضُ التي أَسْلَمَ عليها أَهْلُهَا طَوْعًا وَمِنْهَا الْأَرْضُ التي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَهْرًا وَقُسِمَتْ بين الْغَانِمِينَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْأَرَاضِيَ لَا تَخْلُوَ عن مُؤْنَةٍ إمَّا الْعُشْرُ وَإِمَّا الْخَرَاجُ وَالِابْتِدَاءُ بِالْعُشْرِ في أَرْضِ الْمُسْلِمِ أَوْلَى لِأَنَّ في الْعُشْرِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وفي الْخَرَاجِ مَعْنَى الصَّغَارِ وَمِنْهَا دَارُ الْمُسْلِمِ إذَا اتَّخَذَهَا بُسْتَانًا لِمَا قُلْنَا وَهَذَا إذَا كان يسقى بِمَاءِ الْعُشْرِ فَإِنْ كان يسقى بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَهُوَ خَرَاجِيٌّ وَأَمَّا ما أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُ من الْأَرْضِ الْمَيِّتَةِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فقال أبو يُوسُفَ إنْ كانت من حَيِّزِ أَرْضِ الْعُشْرِ فَهِيَ عَشْرِيَّة وَإِنْ كانت من حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ‏.‏

وقال مُحَمَّدٌ إنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ السَّمَاءِ أو بِبِئْرٍ اسْتَنْبَطَهَا أو بِمَاءِ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ التي لَا تُمْلَكُ مِثْلُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ وَإِنْ شَقَّ لها نَهْرًا من أَنْهَارِ الْأَعَاجِمِ مِثْلَ نَهْرِ الْمِلْكِ وَنَهْرِ يَزْدَجْرِدَ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أن الْخَرَاجَ لَا يُبْتَدَأُ بِأَرْضِ الْمُسْلِمِ لِمَا فيه من مَعْنَى الصَّغَارِ كَالْفَيْءِ إلَّا إذَا الْتَزَمَهُ فإذا اسْتَنْبَطَ عَيْنًا أو حَفَرَ بِئْرًا أو أَحْيَاهَا بِمَاءِ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ فلم يَلْتَزِمْ الْخَرَاجَ فَلَا يُوضَعُ عليه وإذا أَحْيَاهَا بِمَاءِ الْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ فَقَدْ الْتَزَمَ الْخَرَاجَ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَيْءِ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَنْهَارِ فَصَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى أَرْضَ الْخَرَاجِ‏.‏

وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ حَيِّزَ الشَّيْءِ في حُكْمِ ذلك الشَّيْءِ لِأَنَّهُ من تَوَابِعِهِ كَحَرِيمِ الدَّارِ من تَوَابِعِ الدَّارِ حتى يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إحْيَاءُ ما في حَيِّزِ الْقَرْيَةِ لِكَوْنِهِ من تَوَابِعِ الْقَرْيَةِ فَكَانَ حَقًّا لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَقِيَاسُ قَوْلِ أبي يُوسُفَ أَنْ تَكُونَ الْبَصْرَةُ خَرَاجِيَّةً لِأَنَّهَا من حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَإِنْ أَحْيَاهَا الْمُسْلِمُونَ إلَّا أَنَّهُ تُرِكَ الْقِيَاسَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ حَيْثُ وَضَعُوا عليها الْعُشْرَ‏.‏

وَأَمَّا الْخَرَاجِيَّةُ فَمِنْهَا الْأَرَاضِي التي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَهْرًا فَمَنَّ الْإِمَامُ عليهم وَتَرَكَهَا في يَدِ أَرْبابهَا فإنه يَضَعُ على جَمَاعَتِهِمْ الْجِزْيَةَ إذَا لم يُسْلِمُوا وَعَلَى أَرَاضِيِهِمْ الْخَرَاجَ أَسْلَمُوا أو لم يُسْلِمُوا وَأَرْضُ السَّوَادِ كُلُّهَا أَرْضُ خَرَاجٍ وحد السَّوَادِ من الْعُذَيْبِ إلَى عَقَبَةِ حُلْوَانِ وَمِنْ الْعَلْثِ إلَى عَبَّادَانَ لِأَنَّ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه لَمَّا فَتَحَ تِلْكَ الْبِلَادَ ضَرَبَ عليها الْخَرَاجَ بِمَحْضَرٍ من الصَّحَابَةِ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ فَأَنْفَذَ عليها حُذَيْفَةَ بن الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بن حُنَيْفٍ فَمَسَحَاهَا وَوَضَعَا عليها الْخَرَاجَ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ابْتِدَاءِ الْإِيجَابِ على الْكَافِرِ وَالِابْتِدَاءُ بِالْخَرَاجِ الذي فيه مَعْنَى الصَّغَارِ على الْكَافِرِ أَوْلَى من الْعُشْرِ الذي فيه مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْكَافِرُ ليس بِأَهْلٍ لها‏.‏

وكان الْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ مَكَّةُ خَرَاجِيَّةً لِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَهْرًا وَتُرِكَتْ على أَهْلِهَا ولم تُقْسَمْ لَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِفِعْلِ النبي صلى الله عليه وسلم حَيْثُ لم يَضَعْ عليها الْخَرَاجَ فَصَارَتْ مَكَّةُ مَخْصُوصَةً بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ وَكَذَا إذَا مَنَّ عليهم وَصَالَحَهُمْ من جَمَاجِمِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ على وَظِيفَةٍ مَعْلُومَةٍ من الدَّرَاهِمِ أو الدَّنَانِيرِ أو نَحْوِ ذلك فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم صَالَحَ نَصَارَى بَنِي نَجْرَانَ من جِزْيَةِ رؤوسهم وَخَرَاجِ أَرَاضِيِهِمْ على أَلْفَيْ حُلَّةٍ‏.‏

وفي رواية‏:‏ على أَلْفَيْ وَمِائَتَيْ حُلَّةٍ تُؤْخَذُ منهم في وَقْتَيْنِ لِكُلِّ سَنَةٍ نِصْفُهَا في رَجَبَ وَنِصْفُهَا في الْمُحَرَّمِ وَكَذَا إذَا أَجْلَاهُمْ وَنَقَلَ إلَيْهَا قَوْمًا آخَرِينَ من أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّهُمْ قَامُوا مَقَامَ الْأَوَّلِينَ وَمِنْهَا أَرْضُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ لِأَنَّ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه صَالَحَهُمْ على أَنْ يَأْخُذَ من أَرَاضِيِهِمْ الْعُشْرَ مُضَاعَفًا وَذَلِكَ خَرَاجٌ في الْحَقِيقَةِ حتى لَا يَتَغَيَّرَ بتغير ‏[‏بتغيير‏]‏ حَالِ الْمَالِكِ كَالْخَرَاجِيِّ‏.‏

وَمِنْهَا الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ التي أَحْيَاهَا الْمُسْلِمُ وَهِيَ تُسْقَى بِمَاءِ الْخَرَاجِ وَمَاءُ الْخَرَاجِ هو مَاءُ الْأَنْهَارِ الصِّغَارِ التي حَفَرَتْهَا الْأَعَاجِمُ مِثْلُ نَهْرِ الْمِلْكِ وَنَهْرِ يَزْدَجْرِدَ وَغَيْرِ ذلك مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَيْدِي وَمَاءِ الْعُيُونِ وَالْقَنَوَاتِ الْمُسْتَنْبَطَةِ من ماء ‏[‏مال‏]‏ بَيْتِ الْمَالِ وَمَاءُ الْعُشْرِ هو مَاءُ السَّمَاءِ وَالْآبَارِ وَالْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ الْعِظَامِ التي لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْأَيْدِي كَسَيْحُونٍ وَجَيْحُونَ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَنَحْوِهَا إذْ لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ الْيَدِ عليها وَإِدْخَالِهَا تَحْتَ الْحِمَايَةِ وَرُوِيَ عن أبي يُوسُفَ أَنَّ مِيَاهَ هذه الْأَنْهَارِ خَرَاجِيَّةٌ لَإِمْكَانِ إثْبَاتِ الْيَدِ عليها وَإِدْخَالِهَا تَحْتَ الْحِمَايَةِ في الْجُمْلَةِ بِشَدِّ السُّفُنِ بَعْضِهَا على بَعْضٍ حتى تَصِيرَ شِبْهَ الْقَنْطَرَةِ‏.‏ وَمِنْهَا أَرْضُ الْمَوَاتِ التي أَحْيَاهَا ذِمِّيٌّ وَأَرْضُ الْغَنِيمَةِ التي رَضَخَهَا الْإِمَامُ لِذِمِّيٍّ كان يُقَاتِلُ مع الْمُسْلِمِينَ وَدَارُ الذِّمِّيِّ التي اتَّخَذَهَا بُسْتَانًا أو كَرْمًا لِمَا ذَكَرْنَا إن عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى ابْتِدَاءِ ضَرْبِ الْمُؤْنَةِ على أَرْضِ الْكَافِرِ الْخَرَاجُ أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّا وَمِنْهَا أَيْ من شَرَائِطِ الْمَحَلِّيَّةِ وُجُودُ الْخَارِجِ حتى إن الْأَرْضَ لو لم تُخْرِجْ شيئا لم يَجِبْ الْعُشْرُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءٌ من الْخَارِجِ وَإِيجَابُ جُزْءٍ من الْخَارِجِ وَلَا خَارِجَ مُحَالٌ‏.‏

وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ من الْأَرْضِ مِمَّا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ نَمَاءُ الْأَرْضِ وَتُسْتَغَلُّ الْأَرْضُ بِهِ عَادَةً فَلَا عُشْرَ في الْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ لِأَنَّ هذه الْأَشْيَاءَ لَا تستنمي بها الْأَرْضِ وَلَا تُسْتَغَلُّ بها عَادَةً لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَنْمُو بها بَلْ تَفْسُدُ فلم تَكُنْ نَمَاءَ الْأَرْضِ حتى قالوا في الْأَرْضِ إذَا اتَّخَذَهَا مُقَصَّبَةً وفي شَجَرِهِ الْخِلَافُ التي يقطع ‏[‏تقطع‏]‏ في كل ثَلَاثِ سِنِينَ أو أَرْبَعِ سِنِينَ أَنَّهُ يَجِبُ فيها الْعُشْرُ لِأَنَّ ذلك غَلَّةٌ وَافِرَةٌ وَيَجِبُ في قَصَبِ السُّكَّرِ وَقَصَبِ الذَّرِيرَةِ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ بِهِمَا نَمَاءُ الْأَرْضِ فَوُجِدَ شَرْطُ الْوُجُوبِ فَيَجِبُ فَأَمَّا كَوْنُ الْخَارِجِ مِمَّا له ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الْعُشْرِ بَلْ يَجِبُ سَوَاءٌ كان الْخَارِجُ له ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ‏.‏ أو ليس له ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ وَهِيَ الْخَضْرَاوَاتُ كَالْبُقُولِ وَالرِّطَابِ وَالْخِيَارِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبَصَلِ وَالثُّومِ وَنَحْوِهَا في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أبي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَجِبُ إلَّا في الْحُبُوبِ وما له ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ وَاحْتَجَّا بِمَا رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال ليس في الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ وَهَذَا نَصٌّ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا من طَيِّبَاتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ من الْأَرْضِ‏}‏ وَأَحَقُّ ما تَتَنَاوَلُهُ هذه الْآيَةُ الْخَضْرَاوَاتِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُخْرَجَةُ من الْأَرْضِ حَقِيقَةً وَأَمَّا الْحُبُوبُ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُخْرَجَةٍ من الْأَرْضِ حَقِيقَةً بَلْ من الْمُخْرَجِ من الْأَرْضِ وَلَا يُقَالُ الْمُرَادُ من قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ من الْأَرْضِ‏}‏ أَيْ من الْأَصْلِ الذي أَخْرَجْنَا لَكُمْ كما في قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏قد أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ‏}‏ أَيْ أَنْزَلْنَا الْأَصْلَ الذي يَكُونُ منه اللِّبَاسُ وهو الْمَاءُ لَا عَيْنَ اللِّبَاسِ إذْ اللِّبَاسُ كما هو غَيْرُ مُنَزَّلٍ من السَّمَاءِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏خَلَقَكُمْ من تُرَابٍ‏}‏ أَيْ خَلَقَ أَصْلَكُمْ وهو آدَم عليه السَّلَامُ كَذَا هذا لِأَنَّا نَقُولُ الْحَقِيقَةُ ما قُلْنَا وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عنها إلَّا بِدَلِيلٍ قام دَلِيلُ الْعُدُولِ هُنَاكَ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ فِيمَا وَرَاءَهُ وَلِأَنَّ فِيمَا قَالَهُ أبو حَنِيفَةَ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْإِضَافَةِ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ من الْأَرْضِ وَالْإِنْبَاتَ مَحْضُ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فيه‏.‏

أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ‏}‏ فَأَمَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وَالْإِنْبَاتِ فَلِلْعَبْدِ فيه صُنْعٌ من السَّقْيِ وَالْحِفْظِ وَنَحْوِ ذلك فَكَانَ الْحَمْلُ على النَّبَاتِ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْإِضَافَةِ أَوْلَى من الْحَمْلِ على الْحُبُوبِ وقَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ‏}‏ وَالْحَصَادُ الْقَطْعُ وَأَحَقُّ ما يُحْمَلُ الْحَقُّ عليه الْخَضْرَاوَاتُ لِأَنَّهَا هِيَ التي يَجِبُ إيتَاءُ الْحَقِّ منها يوم الْقَطْعِ وَأَمَّا الْحُبُوبُ فَيَتَأَخَّرُ الْإِيتَاءُ فيها إلَى وَقْتِ التَّنْقِيَةِ وَقَوْلُ النبي صلى الله عليه وسلم ما سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وما سُقِيَ بِغَرَبٍ أو دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ من غَيْرِ فصل بين الْحُبُوبِ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَلِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ هو الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِالْخَارِجِ وَالنَّمَاءُ بِالْخُضَرِ أَبْلَغُ لِأَنَّ رِيعَهَا أَوْفَرُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَغَرِيبٌ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكتاب وَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ بمثله أو يُحْمَلُ على الزَّكَاةِ أو يُحْمَلُ قَوْلُهُ ليس في الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ على أَنَّهُ ليس فيها صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ بَلْ أَرْبابهَا هُمْ الَّذِينَ يُؤَدُّونَهَا بِأَنْفُسِهِمْ فَكَانَ هذا نَفْيَ وِلَايَةِ الْأَخْذِ لِلْإِمَامِ وَبِهِ نَقُولُ وَالله أعلم‏.‏

وَكَذَا النِّصَابُ ليس بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الْعُشْرِ فَيَجِبُ الْعُشْرُ في كَثِيرِ الْخَارِجِ وَقَلِيلِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فيه النِّصَابُ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أبي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إذَا كان مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْأَرُزِّ وَنَحْوِهَا وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النبي صلى الله عليه وسلم وَالصَّاعُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ جُمْلَتُهَا نِصْفُ مَنٍّ وهو أَرْبَعَةُ أَمْنَانٍ فَيَكُونُ جُمْلَتُهُ أَلْفًا وَمِائَتَيْ مَنٍّ‏.‏ وقال أبو يُوسُفَ الصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَاحْتَجَّا في الْمَسْأَلَةِ بِمَا رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال ليس فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا من طَيِّبَاتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ من الْأَرْضِ‏}‏‏.‏

وَقَوْلُهُ عز وجل‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ‏}‏ وَقَوْلُ النبي صلى الله عليه وسلم ما سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وما سُقِيَ بِغَرَبٍ أو دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ من غَيْرِ فصل بين الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ولأن سَبَبَ الْوُجُوبِ وَهِيَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِالْخَارِجِ لَا يُوجِبُ التَّفْصِيلَ بين الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالْجَوَابُ عن التَّعَلُّقِ بِهِ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ من الْآحَادِ فَلَا يُقْبَلُ في مُعَارَضَةِ الْكتاب وَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ‏.‏ فَإِنْ قِيلَ ما تَلَوْتُمْ من الْكتاب وورثتم ‏[‏ورويتم‏]‏ من السُّنَّةِ يَقْتَضِيَانِ الْوُجُوبَ من غَيْرِ التَّعَرُّضِ لِمِقْدَارِ الْمُوجَبِ منه وما رَوَيْنَا يَقْتَضِي الْمِقْدَارَ فَكَانَ بَيَانًا لِمِقْدَارِ ما يَجِبُ فيه الْعُشْرُ وَالْبَيَانُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزٌ كَبَيَانِ الْمُجْمَلِ وَالْمُتَشَابِهِ‏.‏

فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على الْبَيَانِ لِأَنَّ ما تَمَسَّكْنَا بِهِ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ وما لَا يَدْخُلُ وما رَوَيْتُمْ من خَبَرِ الْمِقْدَارِ خَاصٌّ فِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ فَلَا يَصْلُحُ بَيَانًا لِلْقَدْرِ الذي يَجِبُ فيه الْعُشْرُ لِأَنَّ من شَأْنِ الْبَيَانِ أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِجَمِيعِ ما يَقْتَضِي الْبَيَانُ وَهَذَا ليس كَذَلِكَ على ما بَيَّنَّا فَعُلِمَ أَنَّهُ لم يَرِدْ مَوْرِدَ الْبَيَانِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ من الصَّدَقَةِ الزَّكَاةُ لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الصَّدَقَةِ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الزَّكَاةِ الْمَعْهُودَةِ وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ أَنَّ ما دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ من طَعَامٍ أو تَمْرٍ لِلتِّجَارَةِ لَا يَجِبُ فيه الزَّكَاةُ ما لم يَبْلُغْ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أو يَحْتَمِلُ الزَّكَاةَ فَيُحْمَلُ عليها عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ ثُمَّ نَذْكُرُ فُرُوعَ مَذْهَبِ أبي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ في فصليْ الْخِلَافِ وما فيه‏.‏

من الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا في ذلك وَالْوِفَاقِ فَنَقُولُ عِنْدَهُمَا يَجِبُ الْعُشْرُ في الْعِنَبِ لِأَنَّ الْمُجَفَّفَ منه يَبْقَى من سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ وهو الزَّبِيبُ فَيُخْرَصُ الْعِنَبُ جَافًّا فَإِنْ بَلَغَ مِقْدَارَ ما يَجِيءُ منه الزَّبِيبِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ يَجِبُ في عِنَبِهِ الْعُشْرُ أو نِصْفُ الْعُشْرِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فيه وَرُوِيَ عن مُحَمَّدٍ أَنَّ الْعِنَبَ إذَا كان رَقِيقًا يَصْلُحُ لِلْمَاءِ وَلَا يَجِيءُ منه الزَّبِيبُ فَلَا شَيْءَ فيه وَإِنْ كَثُرَ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فيه بِاعْتِبَارِ حَالِ الْجَفَافِ وَكَذَا قال أبو يُوسُفَ في سَائِرِ الثِّمَارِ إذَا كان يَجِيءُ منها ما يَبْقَى من سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ بِالتَّجْفِيفِ أَنَّهُ يُخْرَصُ ذلك جَافًّا فَإِنْ بَلَغَ نِصَابًا وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا كَالتِّينِ وَالْإِجَّاصِ وَالْكُمَّثْرَى وَالْخَوْخِ وَنَحْوِ ذلك لِأَنَّهَا إذَا جُفِّفَتْ تَبْقَى من سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ فَكَانَتْ كَالزَّبِيبِ وقال مُحَمَّدٌ لَا عُشْرَ في التِّينِ وَالْإِجَّاصِ وَالْكُمَّثْرَى وَالْخَوْخِ وَالتُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ وَالنَّبْقِ وَالتُّوتِ وَالْمَوْزِ وَالْخَرُّوبِ لِأَنَّهَا وإن كان يُنْتَفَعُ بها بَعْضُهَا بِالتَّجْفِيفِ وَبَعْضُهَا بِالتَّشْقِيقِ وَالتَّجْفِيفِ فَالِانْتِفَاعُ بها بهذا الطَّرِيقِ ليس بِغَالِبٍ وَلَا يُفْعَلُ ذلك عَادَةً وَيَجِبُ الْعُشْرَ في الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ لِأَنَّهَا تَبْقَى من السَّنَةِ إلَى السَّنَةِ وَيَغْلِبُ الِانْتِفَاعُ بِالْجَافِّ منها فَأَشْبَهَتْ الزَّبِيبَ‏.‏

وَرُوِيَ عن مُحَمَّدٍ أَنَّ في الْبَصَلِ الْعُشْرَ لِأَنَّهُ يَبْقَى من سَنَةٍ إلَى سنة ‏[‏السنة‏]‏ وَيَدْخُلُ في الْكَيْلِ وَلَا عُشْرَ في الْآسِ وَالْوَرْدِ وَالْوَسْمَةِ لِأَنَّهَا من الرَّيَاحِينِ وَلَا يَعُمُّ الِانْتِفَاعُ بها وَأَمَّا الْحِنَّاءُ فقال أبو يُوسُفَ فيه الْعُشْرُ وقال مُحَمَّدٌ لَا عُشْرَ فيه لِأَنَّهُ من الرَّيَاحِينِ فَأَشْبَهَ الْآسَ وَالْوَرْدَ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ وَيُنْتَفَعُ بِهِ مَنْفَعَةً عَامَّةً بِخِلَافِ الْآسِ وَالْعُصْفُرِ وَالْكَتَّانِ إذَا بَلَغَ الْقُرْطُمُ وَالْحَبُّ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَجَبَ فيه الْعُشْرُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ من زِرَاعَتِهَا الْحَبُّ وَالْحَبُّ يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ فَيُعْتَبَرُ فيه الْأَوْسُقُ فإذا بَلَغَ ذلك يَجِبُ الْعُشْرُ وَيَجِبُ في الْعُصْفُرِ وَالْكَتَّانِ أَيْضًا على طَرِيقِ التَّبَعِ وَقَالَا في بِزْرِ الْقُنْبِ إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الْعُشْرُ لِأَنَّهُ يَبْقَى وَيُقْصَدُ بِالزِّرَاعَةِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ عَامٌّ وَلَا شَيْءَ في الْقُنْبِ لِأَنَّهُ لِحَاءُ الشَّجَرِ فَأَشْبَهَ لِحَاءَ سَائِرِ الْأَشْجَارِ وَلَا عُشْرَ فيه فَكَذَا فيه وَقَالَا في حَبِّ الصَّنَوْبَرِ إذَا بَلَغَ الْأَوْسُقَ فَفِيهِ الْعُشْرُ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ الِادِّخَارَ وَلَا شَيْءَ في خَشَبِهِ كما لَا شَيْءَ في خَشَبِ سَائِرِ الشَّجَرِ‏.‏

وَيَجِبُ في الكراويا ‏[‏الكرويا‏]‏ وَالْكُزْبَرَةِ وَالْكَمُّونِ وَالْخَرْدَلِ لِمَا قُلْنَا وَلَا يَجِبُ في السَّعْتَرِ وَالشُّونِيزِ وَالْحُلْبَةِ لِأَنَّهَا من جُمْلَةِ الْأَدْوِيَةِ فَلَا يَعُمُّ الِانْتِفَاعُ بها وَقَصَبُ السُّكَّرِ إذَا كان مِمَّا يُتَّخَذُ منه السُّكَّرُ فإذا بَلَغَ ما يَخْرُجُ منه خمس ‏[‏خمسة‏]‏ أَفْرَاقٍ وَجَبَ فيه الْعُشْرُ كَذَا قال مُحَمَّدٌ لِأَنَّهُ يَبْقَى وَيُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفَاعًا عَامًّا وَلَا شَيْءَ في الْبَلُّوطِ لِأَنَّهُ لَا يَعُمُّ الْمَنْفَعَةُ بِهِ وَلَا عُشْرَ في بِزْرِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَالرُّطَبَةِ وَكُلِّ بِزْرٍ لَا يَصْلُحُ إلا لِلزِّرَاعَةِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهَا نَفْسُهَا بَلْ ما يَتَوَلَّدُ منها وَذَا لَا عُشْرَ فيه عِنْدَهُمَا‏.‏

وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ على أَصْلِهِمَا ما إذَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَدَسِ كُلُّ صِنْفٍ منها لَا يَبْلُغُ النِّصَابَ وهو خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَنَّهُ يُعْطَى كُلُّ صِنْفٍ حُكْمَ نَفْسِهِ أو يُضَمُّ الْبَعْضُ إلَى الْبَعْضِ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ وهو خَمْسَةُ أَوْسُقٍ رَوَى مُحَمَّدٌ عن أبي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُضَمُّ الْبَعْضُ إلَى الْبَعْضِ بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ جِنْسٍ بِانْفِرَادِهِ ولم يَرْوِ عنه ما إذَا أَخْرَجَتْ نَوْعَيْنِ من جِنْسٍ وَرَوَى الْحَسَنُ بن زِيَادٍ وابن أبي مَالِكٍ عنه أَنَّ كُلَّ نَوْعَيْنِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا كَالْحِنْطَةِ الْبَيْضَاءِ وَالْحَمْرَاءِ وَنَحْوُ ذلك يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخِرِ سَوَاءٌ خَرَجَا من أَرْضٍ وَاحِدَةٍ أو أَرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ وَيُكَمَّلُ بِهِ النِّصَابُ وَإِنْ كَانَا مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ لَا يُضَمُّ وَإِنْ خَرَجَا من أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَتَعَيَّنَ كُلُّ صِنْفٍ منهما بِانْفِرَادِهِ ما لم يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ لَا شَيْءَ فيه وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَرَوَى ابن سِمَاعَةَ عنه أَنَّ الْغَلَّتَيْنِ إنْ كَانَتَا تُدْرَكَانِ في وَقْتٍ وَاحِدٍ تُضَمُّ أحداهما إلَى الْأُخْرَى وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُمَا وَإِنْ كَانَتَا لَا تُدْرَكَانِ في وَقْتٍ وَاحِدٍ لَا تُضَمُّ‏.‏

وَجْهُ رِوَايَةِ اعْتِبَارِ الْإِدْرَاكِ أَنَّ الْحَقَّ يَجِبُ في الْمَنْفَعَةِ وَإِنْ كَانَتَا تُدْرَكَانِ في مَكَان وَاحِدٍ كانت مَنْفَعَتُهُمَا وَاحِدَةً فَلَا يُعْتَبَرُ فيه اخْتِلَافُ جِنْسِ الْخَارِجِ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ في باب الزَّكَاةِ وإذا كان إدْرَاكُهُمَا في أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ مَنْفَعَتُهُمَا فَكَانَا كَالْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ وَجْهُ رِوَايَةِ اعْتِبَارِ التَّفَاضُلِ وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِاخْتِلَافِ النَّوْعِ فِيمَا لَا يَجُوزُ فيه التَّفَاضُلُ إذَا كان الْجِنْسُ مُتَّحِدًا كَالدَّرَاهِمِ السُّودِ وَالْبِيضِ في باب الزَّكَاةِ أنه يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ‏.‏

وَإِنْ كان النَّوْعُ مُخْتَلِفًا فَأَمَّا فِيمَا لَا يَجْرِي فيه التَّفَاضُلُ فَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ مُعْتَبَرٌ في الْمَنْعِ من الضَّمِّ كَالْإِبِلِ مع الْبَقَرِ في باب الزَّكَاةِ وهو رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عن أبي يُوسُفَ وقال أبو يُوسُف إذَا كان لِرَجُلٍ أَرَاضِي مُخْتَلِفَةٌ في رَسَاتِيقَ مُخْتَلِفَةٍ وَالْعَامِلُ وَاحِدٌ ضَمَّ الْخَارِجَ من بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ وَكَمَّلَ الْأَوْسُقَ بِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَامِلُ لم يَكُنْ لِأَحَدِ الْعَامِلِينَ مُطَالَبَةٌ حتى يَبْلُغَ ما خَرَجَ من الْأَرْضِ التي في عَمَلِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وقال مُحَمَّدٌ إذَا اتَّفَقَ الْمَالِكُ ضُمَّ الْخَارِجُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَرْضُونَ وَالْعُمَّالُ وَهَذَا لَا يُحَقِّقُ الْخِلَافَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجَابَ في غَيْرِ ما أَجَابَ بِهِ الْآخَرُ لِأَنَّ جَوَابَ أبي يُوسُفَ في سُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ عن الْمَالِكِ ولم يَتَعَرَّضْ لِوُجُوبِ الْحَقِّ على الْمَالِكِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وهو فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مُخَاطَبٌ بِالْأَدَاءِ لِاجْتِمَاعِ النِّصَابِ في مِلْكِهِ وَإِنَّهُ سَقَطَتْ الْمُطَالَبَةُ عنه وَجَوَابُ مُحَمَّدٍ في وُجُوبِ الْحَقِّ ولم يَتَعَرَّضْ لِمُطَالَبَةِ الْعَامِلِ فلم يَتَحَقَّقْ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا‏.‏

وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ على قَوْلِهِمَا الْأَرْضُ الْمُشْتَرَكَةُ إذَا أَخْرَجَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَنَّهُ لَا عُشْرَ فيها حتى تَبْلُغَ حِصَّةَ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَرَوَى الْحَسَنُ عن أبي يُوسُفَ إن فيها الْعُشْرَ وَجْهُ هذه الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَالِكَ ليس بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الْعُشْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ في الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَأَرْضِ الْمُكَاتَبِ وَأَرْضِ الْمَأْذُونِ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ كَمَالُ النِّصَابِ وهو خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وقد وُجِدَ وَالصَّحِيحُ هو الْأَوَّلُ لِأَنَّ النِّصَابَ عِنْدَهُمَا شَرْطُ الْوُجُوبِ فيصير ‏[‏فيعتبر‏]‏ كَمَالُهُ في حَقِّ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا كما في مَالِ الزَّكَاةِ على ما بَيَّنَّا هذا الذي ذَكَرْنَا من اعْتِبَارِ الْأَوْسُقِ عِنْدَهُمَا فِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ وَأَمَّا ما لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ كَالْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ فَقَدْ اخْتَلَفَا فِيمَا بَيْنَهُمَا قال أبو يُوسُفَ يُعْتَبَرُ فيه الْقِيمَةُ وهو أَنْ يَبْلُغَ قِيمَةُ الْخَارِجِ قِيمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ من أَدْنَى ما يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ من الْحُبُوبِ وقال مُحَمَّدٌ يُعْتَبَرُ خَمْسَةُ أَمْثَالٍ أَعْلَى ما يُقَدَّرُ بِهِ ذلك الشَّيْءُ فَالْقُطْنُ يُعْتَبَرُ بِالْأَحْمَالِ فإذا بَلَغَ خَمْسَةَ أَحْمَالٍ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا وَيُعْتَبَرُ كُلُّ حِمْلٍ ثَلَثَمِائَةِ مَنٍّ فَتَكُونُ جُمْلَتُهُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ منا وَالزَّعْفَرَانُ يُعْتَبَرُ بِالْأَمْنَانِ فإذا بَلَغَ خَمْسَةَ أَمْنَانٍ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا وَكَذَلِكَ في السُّكَّرِ يُعْتَبَرُ خَمْسَةُ أَمْنَانٍ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْوَسْقِ في الْمَوْسُوقَاتِ لِكَوْنِ الْوَسْقِ أَقْصَى ما يُقَدَّرُ بِهِ في بابهِ وَأَقْصَى ما يُقَدَّرُ بِهِ في غَيْرِ الْمَوْسُوقِ ما ذَكَرْنَا فَوَجَبَ التَّقْدِيرُ بِهِ‏.‏

وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْأَصْلَ هو اعْتِبَارُ الْوَسْقِ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِهِ غير أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ صُورَةً وَمَعْنًى يُعْتَبَرُ وَإِنْ لم يُمْكِنْ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ مَعْنًى وهو قِيمَةُ الْمَوْسُوقِ‏.‏

وَأَمَّا الْعَسَلُ فَقَدْ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ في شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الْكَرْخِيُّ عن أبي يُوسُفَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ فيه قِيمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَإِنْ بَلَغَ ذلك يَجِبُ فيه الْعُشْرُ وَإِلَّا فَلَا بِنَاءً على أَصْلِهِ من اعْتِبَارِ قِيمَةِ الْأَوْسُقِ فِيمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ وما رُوِيَ عنه أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فيه خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ قَدْرَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لِأَنَّ الْعَسَلَ لَا يُكَالُ وَرُوِيَ عنه أَنَّهُ قَدَّرَ ذلك بِعَشْرَةِ أَرْطَالٍ وَرُوِيَ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ خَمْسَ قِرَبٍ كُلُّ قِرْبَةٍ خَمْسُونَ مَنًّا فَيَكُونُ جُمْلَتُهُ مِائَتَيْنِ وخمسين ‏[‏وخمسون‏]‏ مَنًّا وَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ فيه خَمْسَةَ أَفْرَاقٍ كُلُّ فَرْقٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا فَيَكُونُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَنًّا فَتَكُونُ جُمْلَتُهُ تِسْعِينَ مَنًّا بِنَاءً على أَصْلِهِ من اعْتِبَارِ خَمْسَةِ أَمْثَالٍ أَعْلَى ما يُقَدَّرُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي في شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ اعْتَبَرَ في نِصَابِ الْعَسَلِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ خَمْسَةَ أَفْرَاقٍ في رِوَايَةٍ وَخَمْسَ قِرَبٍ في رِوَايَةٍ وَخَمْسَةَ أَمْنَانٍ في رِوَايَةٍ ثُمَّ وُجُوبُ الْعُشْرِ في الْعَسَلِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وقال الشَّافِعِيُّ لَا عُشْرَ فيه وَزَعَمَ إن ما رُوِيَ في وُجُوبِ الْعُشْرِ في الْعَسَلِ لم يَثْبُتْ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وهو الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِالْخَارِجِ لم يُوجَدْ لِأَنَّهُ ليس من نَمَاءِ الْأَرْضِ بَلْ هو مُتَوَلِّدٌ من حَيَوَانٍ فلم تَكُنْ الْأَرْضُ نَامِيَةً بها وَنَحْنُ نَقُولُ إنْ لم يَثْبُتْ عِنْدَك وُجُوبُ الْعُشْرِ في الْعَسَلِ فَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا أَلَا تَرَى إلَى ما رُوِيَ أَنَّ أَبَا سَيَّارَةَ جاء إلَى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنَّ لي نَحْلًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أَدِّ عُشْرَهَا فقال أبو سَيَّارَةَ احْمِهَا لي يا رَسُولَ اللَّهِ فحما ‏[‏فحماها‏]‏ له‏.‏

وَرَوَى عمر ‏[‏عمرو‏]‏ بن شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ أَنَّ بَطْنًا من فِهْرٍ كَانُوا يُؤَدُّونَ إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من نحل ‏[‏نخل‏]‏ لهم الْعُشْرَ من كل عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً وكان يحمي لهم وَادِيَيْنِ فلما كان عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه اسْتَعْمَلَ على ما هُنَاكَ سُفْيَانَ بن عبد اللَّهِ الثَّقَفِيَّ فَأَبَوْا أَنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ شيئا وَقَالُوا إنَّمَا كان شيئا نُؤَدِّيهِ إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَكَتَبَ ذلك سُفْيَانُ إلَى عُمَرَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ إنَّمَا النحل ‏[‏النخل‏]‏ ذُباب غَيْثٍ يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعَالَى رِزْقًا إلَى من يَشَاءُ فَإِنْ أَدَّوْا إلَيْك ما كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَاحْمِ له وَادِيَهُمْ وَإِلَّا فَخَلِّ بين الناس وَبَيْنَهَا فَأَدَّوْا إلَيْهِ وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي اللَّهُ عنه أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ يُؤْخَذَ من الْعَسَلِ الْعُشْرُ‏.‏ وَعَنْ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ كان يَأْخُذُ عن الْعَسَلِ الْعُشْرَ من كل عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً وَكَذَا رُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما أَنَّهُ كان يَفْعَلُ ذلك حين كان وَالِيًا بِالْبَصْرَةِ‏.‏

وَأَمَّا قَوْلُهُ ليس من نَمَاءِ الْأَرْضِ فَنَقُولُ هو مُلْحَقٌ بِنَمَائِهَا لِاعْتِبَارِ الناس أعداد الْأَرْضِ لها وَلِأَنَّهُ يَتَوَلَّدُ من أَنْوَارِ الشَّجَرِ فَكَانَ كَالثَّمَرِ ثُمَّ إنَّمَا يَجِبُ الْعُشْرُ في الْعَسَلِ إذَا كان في أَرْضِ الْعُشْرِ فَأَمَّا إذَا كان في أَرْضِ الْخَرَاجِ فَلَا شَيْءَ فيه لِمَا ذَكَرْنَا إن وُجُوبَ الْعُشْرِ فيه لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرِ لِتَوَلُّدِهِ من أَزْهَارِ الشَّجَرِ وَلَا شَيْءَ في ثِمَارِ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَلِأَنَّ أَرْضَ الْخَرَاجِ يَجِبُ فيها الْخَرَاجُ فَلَوْ وَجَبَ الْعُشْرُ في الْعَسَلِ لَاجْتَمَعَ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ في أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَجْتَمِعَانِ عِنْدَنَا وَيَجِبُ الْعُشْرُ في قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالنَّمَاءِ وَيَجْرِي مَجْرَى الثِّمَارِ وَالنِّصَابُ ليس بِشَرْطٍ في ذلك عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا شَرْطٌ وقد ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ عنهما في ذلك وما يُوجَدُ في الْجِبَالِ من الْعَسَلِ وَالْفَوَاكِهِ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّ فيه الْعُشْرَ وَرَوَى أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ عن أبي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فيه‏.‏

وَجْهُ قَوْلِ أبي يُوسُفَ أَنَّ هذا مُبَاحٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ فَلَا يَجِبُ فيه الْعُشْرُ كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ عُمُومَاتُ الْعُشْرِ إلَّا أَنَّ مِلْكَ الْخَارِجِ شَرْطٌ وَلَمَّا أَخَذَهُ فَقَدْ مَلَكَهُ فَصَارَ كما لو كان في أَرْضِهِ وَالْحَوْلُ ليس بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الْعُشْرِ حتى لو أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ في السَّنَةِ مِرَارًا يَجِبُ الْعُشْرُ في كل مَرَّةٍ لِأَنَّ نُصُوصَ الْعُشْرِ مُطْلَقَةٌ عن شَرْطِ الْحَوْلِ وَلِأَنَّ الْعُشْرَ في الْخَارِجِ حَقِيقَةً فَيَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ وَكَذَلِكَ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ لِأَنَّهُ في الْخَارِجِ فَأَمَّا خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ فَلَا يَجِبُ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّ ذلك ليس في الْخَارِجِ بَلْ في الذِّمَّةِ عُرِفَ ذلك بِتَوْظِيفِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه وما وَظَّفَ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً‏.‏

فصل بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ

وَأَمَّا بَيَانُ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ فَالْكَلَامُ في هذا الْفصل في مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا في بَيَانِ قَدْرِ الْوَاجِبِ من الْعُشْرِ وَالثَّانِي في بَيَانِ قَدْرِ الْوَاجِبِ من الْخَرَاجِ أَمَّا الْأَوَّلُ فما سُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ أو سُقِيَ سَيْحًا فَفِيهِ عُشْرٌ كَامِلٌ وما سقى بِغَرَبٍ أو دَالِيَةٍ أو سَانِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرُ وَالْأَصْلُ فيه ما رُوِيَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال ما سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وما سُقِيَ بِغَرَبٍ أو دَالِيَةٍ أو ساقية ‏[‏سانية‏]‏ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَعَنْ أَنَسٍ رضي اللَّهُ عنه عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ أو الْعَيْنُ أو كان بَعْلًا الْعُشْرُ وما سُقِيَ بِالرِّشَاءِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلِأَنَّ الْعُشْرَ وَجَبَ مُؤْنَةَ الْأَرْضِ فَيَخْتَلِفُ الْوَاجِبُ بِقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ وَكَثْرَتِهَا وَلَوْ سقى الزَّرْعُ في بَعْضِ السَّنَةِ سَيْحًا وفي بَعْضِهَا بِآلَةٍ يُعْتَبَرُ في ذلك الْغَالِبِ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ كما في السَّوْمِ في باب الزَّكَاةِ على ما مَرَّ وَلَا يُحْتَسَبُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ما أَنْفَقَ على الْغَلَّةِ من سَقْيٍ أو عِمَارَةٍ أو أَجْرِ الْحَافِظِ أو أَجْرِ الْعُمَّالِ أو نَفَقَةِ الْبَقَرِ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم‏:‏ «ما سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وما سُقِيَ بِغَرَبٍ أو دَالِيَةٍ أو سَانِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ» أَوْجَبَ الْعُشْرَ وَنِصْفَ الْعُشْرِ مُطْلَقًا عن احْتِسَابِ هذه الْمُؤَنِ وَلِأَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَوْجَبَ الْحَقَّ على التَّفَاوُتِ لِتَفَاوُتِ الْمُؤَنِ وَلَوْ رُفِعَتْ الْمُؤَنُ لَارْتَفَعَ التَّفَاوُتُ‏.‏

وَأَمَّا الثَّانِي وهو بَيَانُ قَدْرِ الْوَاجِبِ من الْخَرَاجِ فَالْخَرَاجُ نَوْعَانِ خَرَاجُ وَظِيفَةٍ وَخَرَاجُ مُقَاسَمَذةٍ أَمَّا خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ فما وَظَّفَهُ عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه فَفِي كل جَرِيبِ أَرْضٍ بَيْضَاءَ تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ قَفِيزٌ مِمَّا يُزْرَعُ فيها درهم ‏[‏ودرهم‏]‏ الْقَفِيزِ صَاعٌ وَالدِّرْهَمُ وَزْنُ سَبْعَةٍ وَالْجَرِيبُ أَرْضٌ طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ كِسْرَى يَزِيدُ على ذِرَاعِ الْعَامَّةِ يقبضه ‏[‏بقصبة‏]‏ وفي جَرِيبِ الرُّطَبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وفي جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ هَكَذَا وَظَّفَهُ عُمَرُ بِمَحْضَرٍ من الصَّحَابَةِ ولم يُنْكِرْ عليه أَحَدٌ وَمِثْلُهُ يَكُونُ إجْمَاعًا‏.‏

وَأَمَّا جَرِيبُ الْأَرْضِ التي فيها أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا لم يُذْكَرْ في ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عن أبي يُوسُفَ أَنَّهُ قال إذَا كانت النَّخِيلُ مُلْتَفَّةً جَعَلْت عليها الْخَرَاجَ بِقَدْرِ ما تُطِيقُ وَلَا أَزِيدُ على جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وفي جَرِيبِ الْأَرْضِ التي يُتَّخَذُ فيها الزَّعْفَرَانُ قَدْرُ ما تُطِيقُ فَيُنْظَرُ إلَى غَلَّتِهَا فَإِنْ كانت تَبْلُغُ غَلَّةَ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ يُؤْخَذُ منها قَدْرُ خَرَاجِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ وَإِنْ كانت تَبْلُغُ غَلَّةَ الرُّطَبَةِ يُؤْخَذُ منها قَدْرُ خَرَاجِ أَرْضِ الرُّطَبَةِ هَكَذَا لِأَنَّ مَبْنَى الْخَرَاجِ على الطَّاقَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ حُذَيْفَةَ بن الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بن حُنَيْفٍ رضي اللَّهُ عنهما لَمَّا مَسَحَا سَوَادَ الْعِرَاقِ بِأَمْرِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه وَوَضَعَا على كل جَرِيبٍ يَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ قَفِيزًا وَدِرْهَمًا وَعَلَى كل جَرِيبٍ يَصْلُحُ لِلرُّطَبَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَعَلَى كل جَرِيبٍ يَصْلُحُ لِلْكَرْمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فقال لَهُمَا عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا ما لَا تُطِيقُ فَقَالَا بَلْ حَمَّلْنَا ما تُطِيقُ وَلَوْ زِدْنَا لَأَطَاقَتْ فَدَلَّ الْحَدِيثُ على أَنَّ مَبْنَى الْخَرَاجِ على الطَّاقَةِ فَيُقَدَّرُ بها فِيمَا وَرَاءَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ في الْخَبَرِ فَيُوضَعُ على أَرْضِ الزَّعْفَرَانِ وَالْبُسْتَانِ في أَرْضِ الْخَرَاجِ بِقَدْرِ ما تُطِيقُ وَقَالُوا نِهَايَةُ الطَّاقَةِ قَدْرُ نِصْفِ الْخَارِجِ لَا يُزَادُ عليه وَقَالُوا فِيمَنْ له أَرْضُ زَعْفَرَانٍ فَزَرَعَ مكان ‏[‏مكانه‏]‏ الْحُبُوبَ من غَيْرِ عُذْرٍ أنه يُؤْخَذُ منه خَرَاجُ الزَّعْفَرَانِ لِأَنَّهُ قَصَّرَ حَيْثُ لم يَزْرَعْ الزَّعْفَرَانَ مع الْقُدْرَةِ عليه فَصَارَ كَأَنَّهُ عَطَّلَ الْأَرْضَ فلم يَزْرَعْ فيها شيئا وَلَوْ فَعَلَ ذلك يُؤْخَذُ منه خَرَاجُ الزَّعْفَرَانِ كَذَا هذا‏.‏

وَكَذَا إذَا قَطَعَ كَرْمَهُ من غَيْرِ عُذْرٍ وَزَرَعَ فيه الْحُبُوبَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ منه خَرَاجُ الْكَرْمِ لِمَا قُلْنَا وَإِنْ أَخْرَجَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ قَدْرَ الْخَرَاجِ لَا غير يُؤْخَذُ نِصْفُ الْخَرَاجِ وَإِنْ أَخْرَجَتْ مِثْلَيْ الْخَرَاجِ فَصَاعِدًا يُؤْخَذُ جَمِيعُ الْخَرَاجِ الْمُوَظَّفِ عليها وَإِنْ كانت لَا تُطِيقُ قَدْرَ خَرَاجِهَا الْمَوْضُوعِ عليها يَنْقُضُ وَيُؤْخَذُ منها قَدْرَ ما تُطِيقُ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا كانت تُطِيقُ أَكْثَرَ من الْمَوْضُوعِ أَنَّهُ هل تُزَادُ أَمْ لَا قال أبو يُوسُفَ لَا تُزَادُ وقال مُحَمَّدٌ تُزَادُ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إن مَبْنَى الْخَرَاجِ على الطَّاقَةِ على ما بَيَّنَّا فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ على الْقَدْرِ الْمُوَظَّفِ إذَا كانت تُطِيقُهُ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَعْنَى الطَّاقَةِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فيها وَرَاءَ الْمَنْصُوصِ وَالْمُجْمَعِ عليه وَالْقَدْرُ الْمَوْضُوعُ من الْخَرَاجِ الْمُوَظَّفِ مَنْصُوصٌ وَمُجْمَعٌ عليه على ما بَيَّنَّا فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عليه بِالْقِيَاسِ وَأَمَّا خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ فَهُوَ أَنْ يَفْتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً فَيَمُنَّ على أَهْلِهَا وَيَجْعَلَ على أَرَاضِيِهِمْ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ وهو أَنْ يُؤْخَذَ منهم نِصْفُ الْخَارِجِ أو ثُلُثُهُ أو رُبُعُهُ وأنه جَائِزٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم هَكَذَا فَعَلَ لَمَّا فَتَحَ خَيْبَرَ وَيَكُونُ حُكْمُ هذا الْخَرَاجِ حُكْمَ الْعُشْرِ وَيَكُونُ ذلك في الْخَارِجِ كَالْعُشْرِ إلَّا أَنَّهُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ خَرَاجٌ في الْحَقِيقَةِ وَالله أعلم‏.‏

فصل صِفَةِ الْوَاجِبِ

وَأَمَّا صِفَةُ الْوَاجِبِ فَالْوَاجِبُ جُزْءٌ من الْخَارِجِ لِأَنَّهُ عُشْرُ الْخَارِجِ أو نِصْفُ عُشْرِهِ وَذَلِكَ جُزْؤُهُ إلَّا أَنَّهُ وَاجِبٌ من حَيْثُ أنه مَالٌ لَا من حَيْثُ أنه جُزْءٌ عِنْدَنَا حتى يَجُوزَ أَدَاءُ قِيمَتِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْوَاجِبُ عَيْنُ الْجُزْءِ وَلَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ دَفْعِ الْقِيَمِ وقد مَرَّتْ فِيمَا تَقَدَّمَ‏.‏

فصل وَقْتِ الْوُجُوبِ

وَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَوَقْتُ الْوُجُوبِ وَقْتُ خُرُوجِ الزَّرْعِ وَظُهُورِ الثَّمَرِ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أبي يُوسُفَ وَقْتُ الْإِدْرَاكِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقْتُ التَّنْقِيَةِ وَالْجُذَاذِ فإنه قال إذَا كان الثَّمَرُ قد حُصِدَ في الْحَظِيرَةِ وذرى الْبُرُّ وكان خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ثُمَّ ذَهَبَ بَعْضُهُ كان في الذي بَقِيَ منه الْعُشْرُ فَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ عِنْدَهُ هو وَقْتُ التَّصْفِيَةِ في الزَّرْعِ وَوَقْتُ الْجُذَاذِ في الثَّمَرِ هو يقول تِلْكَ الْحَالُ هِيَ حَالُ تَنَاهِي عِظَمِ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ وَاسْتِحْكَامِهَا فَكَانَتْ هِيَ حَالَ الْوُجُوبِ وأبو يُوسُفَ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ‏}‏ وَيَوْمُ حَصَادِهِ هو يَوْمُ إدْرَاكِهِ فَكَانَ هو وَقْتَ الْوُجُوبِ‏.‏

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏أَنْفِقُوا من طَيِّبَاتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ من الْأَرْضِ‏}‏ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا أَخْرَجَهُ من الْأَرْضِ فَدَلَّ أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِالْخُرُوجِ وَلِأَنَّهُ كما خَرَجَ حُصِّلَ مُشْتَرَكًا كَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ من الْأَرْضِ‏}‏ جَعَلَ الْخَارِجَ لِلْكُلِّ فَيَدْخُلُ فيه الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ وإذا عَرَفْتَ وَقْتَ الْوُجُوبِ على اخْتِلَافِهِمْ فيه فَفَائِدَةُ هذا الِاخْتِلَافِ على قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ لَا تَظْهَرُ إلَّا في الِاسْتِهْلَاكِ فما كان منه بَعْدَ الْوُجُوبِ يُضْمَنُ عُشْرُهُ وما كان قبل الْوُجُوبِ لَا يُضْمَنُ وَأَمَّا عِنْدَ أبي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ في الِاسْتِهْلَاكِ وفي الْهَلَاكِ أَيْضًا في حَقِّ تَكْمِيلِ النِّصَابِ بِالْهَالِكِ فما هَلَكَ بَعْدَ الْوُجُوبِ يُعْتَبَرُ الْهَالِكُ مع الْبَاقِي في تَكْمِيلِ النِّصَابِ وما هَلَكَ قبل الْوُجُوبِ لَا يُعْتَبَرُ وَبَيَانُ هذه الْجُمْلَةِ إذَا أَتْلَفَ إنْسَانٌ الزَّرْعَ أو الثَّمَرَ قبل الْإِدْرَاكِ حتى ضُمِّنَ أَخَذَ صَاحِبُ الْمَالِ من الْمُتْلِفِ ضَمَانَ الْمُتْلَفِ وَأَدَّى عُشْرَهُ وَإِنْ أَتْلَفَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ أَدَّى قَدْرَ عُشْرِ الْمُتْلَفِ من ضَمَانِهِ وما بَقِيَ فَعُشْرُهُ في الْخَارِجِ وَإِنْ أَتْلَفَهُ صَاحِبُهُ أو أَكَلَهُ يَضْمَنُ عُشْرَهُ وَيَكُونُ دَيْنًا في ذِمَّتِهِ وَإِنْ أَتْلَفَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ يضمن قُدِّرَ عُشْرُ ما أَتْلَفَ وَيَكُونُ دَيْنًا في ذِمَّتِهِ وَعُشْرُ الْبَاقِي يَكُونُ في الْخَارِجِ وَهَذَا على أَصْلِ أبي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ بَعْدَ الْوُجُوبِ لِثُبُوتِ الْوُجُوبِ بِالْخُرُوجِ وَالظُّهُورِ فَكَانَ الْحَقُّ مَضْمُونًا عليه كما لو أَتْلَفَ مَالَ الزَّكَاةِ بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ‏.‏

وَأَمَّا على قَوْلِهِمَا فَلَا يَضْمَنُ عُشْرَ الْمُتْلَفِ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ قبل وَقْتِ وُجُوبِ الْحَقِّ وَلَوْ هَلَكَ بِنَفْسِهِ فَلَا عُشْرَ في الْهَالِكِ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ هَلَكَ كُلُّهُ أو بَعْضُهُ لِأَنَّ الْعُشْرَ لَا يُضْمَنُ بِالْهَلَاكِ سَوَاءٌ كان قبل الْوُجُوبِ أو بَعْدَهُ وَيَكُونُ عُشْرُ الْبَاقِي فيه قَلَّ أو كَثُرَ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ لِأَنَّ النِّصَابَ عِنْدَهُ ليس بِشَرْطٍ وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا إنْ كان الْبَاقِي نِصَابًا وهو خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَإِنْ لم يَكُنْ نِصَابًا لَا يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْهَالِكِ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ في الْبَاقِي عِنْدَهُمَا بَلْ إنْ بَلَغَ الْبَاقِي بِنَفْسِهِ نِصَابًا يَكُونُ فيه الْعُشْرُ وَإِلَّا فَلَا هذا إذَا هَلَكَ قبل الْإِدْرَاكِ أو اُسْتُهْلِكَ فَأَمَّا بَعْدَ الْإِدْرَاكِ وَالتَّنْقِيَةِ وَالْجُذَاذِ أو بَعْدَ الْإِدْرَاكِ قبل التَّنْقِيَةِ وَالْجُذَاذِ فَإِنْ هَلَكَ سَقَطَ الْوَاجِبُ بِلَا خِلَافٍ بين أَصْحَابِنَا كَالزَّكَاةِ تَسْقُطُ إذَا هَلَكَ النِّصَابُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَسْقُطُ وقد ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُهُ سَقَطَ الْوَاجِبُ بِقَدْرِهِ وَبَقِيَ عُشْرُ الْبَاقِي فيه قَلِيلًا كان أو كَثِيرًا عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ لِأَنَّ النِّصَابَ ليس بِشَرْطٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يُكَمَّلُ نِصَابُ الْبَاقِي بِالْهَالِكِ وَيُحْتَسَبُ بِهِ في تَمَامِ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ وَرُوِيَ عن أبي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْهَالِكُ في تَمَامِ الْأَوْسُقِ بَلْ يُعْتَبَرُ التَّمَامُ في الْبَاقِي فَإِنْ كان في نَفْسِهِ نِصَابًا يَكُونُ فيه الْعُشْرُ وَإِلَا فَلَا وَإِنْ اُسْتُهْلِكَ فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ الْمَالِكُ ضَمِنَ عُشْرَهُ وَيَكُونُ دَيْنًا في ذِمَّتِهِ وَإِنْ اسْتَهْلَكَ بَعْضَهُ فَقَدْرُ عُشْرِ الْمُسْتَهْلَكِ يَكُونُ دَيْنًا في ذِمَّتِهِ وَعُشْرُ الْبَاقِي في الْخَارِجِ وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ غَيْرُ الْمَالِكِ أُخِذَ الضَّمَانُ منه وَأَدَّى عُشْرَهُ لِأَنَّهُ هَلَكَ إلَى خَلْفٍ وهو الضَّمَانُ فَكَانَ قَائِمًا مَعْنًى وَإِنْ اُسْتُهْلِكَ بَعْضُهُ أُخِذَ ضَمَانُهُ وَأَدَّى عُشْرَ الْقَدْرِ الْمُسْتَهْلَكِ وَعُشْرَ الْبَاقِي منه لِمَا قُلْنَا وَإِنْ أَكَلَ صَاحِبُ الْمَالِ من الثَّمَرِ أو أَطْعَمَ غَيْرَهُ يَضْمَنُ عُشْرَهُ وَيَكُونُ دَيْنًا في ذِمَّتِهِ وَعُشْرُ ما بَقِيَ يَكُونُ فيه وَهَذَا على قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرُوِيَ عن أبي يُوسُفَ أَنَّ ما أَكَلَ أو أَطْعَمَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يَضْمَنُ عُشْرَهُ لَكِنْ يُعْتَدُّ بِهِ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ وهو الْأَوْسُقُ فإذا بَلَغَ الْكُلُّ نِصَابًا أَدَّى عُشْرَ ما بَقِيَ‏.‏

احْتَجَّ أبو يُوسُفَ بِمَا رُوِيَ عن سَهْلِ بن أبي خَيْثَمَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال إذَا خَرَصْتُمْ فَجُذُّوا وَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لم تَدَعُوا الثُّلُثَ فَالرُّبُعَ وَرُوِيَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان بَعَثَ أَبَا خَيْثَمَةَ خَارِصًا جاء ‏[‏فجاء‏]‏ رَجُلٌ فقال يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا خَيْثَمَةَ زَادَ عَلَيَّ فقال له رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ ابْنَ عَمِّكَ يَزْعُمُ أَنَّكَ قد ردت ‏[‏زدت‏]‏ عليه فقال يا رَسُولَ اللَّهِ لقد تَرَكْتُ له قَدْرَ عَرِيَّةِ أَهْلِهِ وما يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ وما يُصِيبُ الرِّيحُ فقال صلى اللَّهُ عليه وسلم لقد ‏[‏فقد‏]‏ زَادَكَ ابن عَمِّكَ وَأَنْصَفَكَ وَعَنْهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال خَفِّفُوا في الْخَرْصِ فإن في الْمَالِ الْعَرِيَّةَ والواطئة ‏[‏والوصية‏]‏ وَالْمُرَادُ من الْعَرِيَّةِ الصَّدَقَةُ أَمَرَ بِالتَّخْفِيفِ في الْخَرْصِ وَبَيَّنَ الْمَعْنَى وهو أَنَّ في الْمَالِ عَرِيَّةً وَوَصِيَّةً فَلَوْ ضَمِنَ عُشْرَ ما تَصَدَّقَ أو أَكَلَ هو وَأَهْلُهُ لم يَتَحَقَّقْ التَّخْفِيفُ وَلِأَنَّهُ لو ضَمِنَ ذلك لَامْتَنَعَ من الْأَكْلِ خَوْفًا من الْعُشْرِ وَفِيهِ حَرَجٌ إلَّا أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِذَلِكَ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ لِأَنَّ نَفْيَ وُجُوبِ الضَّمَانِ عنه تَخْفِيفًا عليه نَظَرًا له وفي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ في تَمَامِ الْأَوْسُقِ ضَرَرٌ بِهِ وَبِالْفُقَرَاءِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ النُّصُوصُ الْمُقْتَضِيَةُ لِوُجُوبِ الْعُشْرِ في كل خَارِجٍ من غَيْرِ فصل بين الْمَأْكُولِ وَالْبَاقِي فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى قال‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ‏}‏ أَمَرَ بِإِيتَاءِ الْحَقِّ يوم الْحَصَادِ فَلَا يَجِبُ الْحَقُّ فِيمَا أُخِذَ منه قبل الْحَصَادِ يَدُلُّ عليه قَرِينَةُ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏كُلُوا من ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ‏}‏ وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ قَدْرَ الْمَأْكُولِ أَفْضَلُ إذْ لو لم يَكُنْ أَفْضَلَ لم يَكُنْ لِقَوْلِهِ‏:‏ ‏{‏كُلُوا من ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ‏}‏ فَائِدَةٌ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الثَّمَرَةَ تُؤْكَلُ وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ‏.‏

فَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ لَازِمَةٌ له لِأَنَّ الْحَصَادَ هو الْقَطْعُ فَيَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ ما قُطِعَ أخذ ‏[‏وأخذ‏]‏ منه شَيْءٌ لَزِمَهُ إخْرَاجُ عشرة من غَيْرِ فصل بين ما إذَا كان الْمَقْطُوعُ مَأْكُولًا أو باقيا على أَنَّا نَقُولُ بِمُوجَبِ الْآيَةِ أَنَّهُ يَجِبُ إيتَاءُ حَقِّهِ يوم حَصَادِهِ لَكِنْ ما حَقُّهُ يوم حَصَادِهِ أَدَاءُ الْعُشْرِ عن الْبَاقِي فَحَسْبُ أَمْ عن الْبَاقِي وَالْمَأْكُولِ وَالْآيَةُ لَا تَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ من ذلك فَكَانَ تَمَسُّكًا بِالْمَسْكُوتِ وأنه لَا يَصِحُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏كُلُوا من ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ‏}‏ فَائِدَةٌ فَنَقُولُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ له فَائِدَةٌ سِوَى ما قُلْتُمْ وهو إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ رَدًّا لِاعْتِقَادِ الْكَفَرَةِ تَحْرِيمَ الِانْتِفَاعِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِجَعْلِهَا لِلْأَصْنَامِ فَرَدَّ ذلك عليهم بِقَوْلِهِ عز وجل‏:‏ ‏{‏كُلُوا من ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ‏}‏ أَيْ انْتَفِعُوا بها وَلَا تُضَيِّعُوهَا بِالصَّرْفِ إلَى الْأَصْنَامِ وَلِذَلِكَ قال‏:‏ ‏{‏وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ‏}‏ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَقَدْ قِيلَ أنها وَرَدَتْ قبل حديث الْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ فَصَارَتْ مَنْسُوخَةً بِهِ وَالله تعالى أعلم‏.‏

فصل بَيَانِ رُكْنِ هذا النَّوْعِ وَشَرَائِطِ الرُّكْنِ

وَأَمَّا بَيَانُ رُكْنِ هذا النَّوْعِ وَشَرَائِطِ الرُّكْنِ أَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ التَّمْلِيكُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ‏}‏ وَالْإِيتَاءُ هو التَّمْلِيكُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَآتُوا الزَّكَاةَ‏}‏ فَلَا تَتَأَدَّى بِطَعَامِ الْإِبَاحَةِ وَبِمَا ليس بِتَمْلِيكٍ رَأْسًا من بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِ ذلك مِمَّا ذَكَرْنَا في النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَبِمَا ليس بِتَمْلِيكٍ من كل وَجْهٍ وقد مَرَّ بَيَانُ ذلك كُلِّهِ وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَإِنَّنَا ذَكَرْنَاهَا في النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِمَّا يَرْجِعُ بَعْضُهَا إلَى الْمُؤَدِّي وَبَعْضُهَا إلَى الْمُؤَدَّى وَبَعْضُهَا إلَى الْمُؤَدَّى إلَيْهِ فَلَا مَعْنًى لِلْإِعَادَةِ وَالله تعالى أعلم‏.‏

فصل بَيَانِ ما يَسْقُطُ بَعْدَ الْوُجُوبِ

وَأَمَّا بَيَانُ ما يَسْقُطُ بَعْدَ الْوُجُوبِ فَمِنْهَا هَلَاكُ الْخَارِجِ من غَيْرِ صُنْعِهِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ في الْخَارِجِ فإذا هَلَكَ يَهْلِكُ بِمَا فيه كَهَلَاكِ نِصَابِ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَسْقُطُ وهو على الِاخْتِلَافِ في الزَّكَاةِ وقد مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ هَلَكَ الْبَعْضُ يَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِقَدْرِهِ ويؤدي عُشْرُ الْبَاقِي قَلَّ الْبَاقِي أو كَثُرَ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْهَالِكِ مع الْبَاقِي في تَكْمِيلِ النِّصَابِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا يؤدي وَإِلَّا فَلَا وفي رواية‏:‏ عن أبي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ كَمَالُ النِّصَابِ في الْبَاقِي بِنَفْسِهِ من غَيْرِ ضَمِّ قَدْرِ الْهَالِكِ إلَيْهِ على ما مَرَّ وَإِنْ اُسْتُهْلِكَ فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ غَيْرُ الْمَالِكِ أَخَذَ الضَّمَانَ منه وَأَدَّى عُشْرَهُ وَإِنْ اُسْتُهْلِكَ بَعْضُهُ أَدَّى عُشْرَ الْقَدْرِ الْمُسْتَهْلَكِ من الضَّمَانِ وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ الْمَالِكُ أو اُسْتُهْلِكَ الْبَعْضُ بِأَنْ أَكَلَهُ ضِمْنَ عُشْرِ الْهَالِكِ وَصَارَ دَيْنًا في ذِمَّتِهِ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وقد ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ وَمِنْهَا الرِّدَّةُ عِنْدَنَا لِأَنَّ في الْعُشْرِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْكَافِرُ ليس من أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَسْقُطُ كَالزَّكَاةِ‏.‏ وَمِنْهَا مَوْتُ الْمَالِكِ من غَيْرِ وَصِيَّةٍ إذَا كان اسْتَهْلَكَ الْخَارِجَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كما في الزَّكَاةِ وَإِنْ كان الْخَارِجُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ يؤدي الْعُشْرُ منه في ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وفي رواية‏:‏ عن أبي يُوسُفَ يَسْقُطُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وقد مَضَى الْفَرْقُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَالله تعالى أعلم‏.‏

فصل حُكْمِ الْمُسْتَخْرَجِ من الْأَرْضِ

هذا الذي ذَكَرْنَا حُكْمُ الْخَارِجِ من الْأَرْضِ وَأَمَّا حُكْمُ الْمُسْتَخْرَجِ من الْأَرْضِ فَالْكَلَامُ فيه في مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا في بَيَانِ ما فيه الْخُمُسُ من الْمُسْتَخْرَجِ من الْأَرْضِ وما لَا خُمُسَ فيه وَالثَّانِي في بَيَانِ من يَجُوزُ صَرْفُ الْخُمُسِ إلَيْهِ وَمَنْ له وِلَايَةُ أَخْذِ الْخُمُسِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْمُسْتَخْرَجُ من الْأَرْضِ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا يُسَمَّى كَنْزًا وهو الْمَالُ الذي دَفَنَهُ بَنُو آدَمَ في الْأَرْضِ وَالثَّانِي يُسَمَّى مَعْدِنًا وهو الْمَالُ الذي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الْأَرْضِ يوم خَلَقَ الْأَرْضَ وَالرِّكَازُ اسْمٌ يَقَعُ على كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ حَقِيقَتَهُ لِلْمَعْدِنِ وَاسْتِعْمَالَهُ لِلْكَنْزِ مَجَازًا أَمَّا الْكَنْزُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ وُجِدَ في دَارِ الْإِسْلَامِ أو دَارِ الْحَرْبِ وَكُلُّ ذلك لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ في أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أو في أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ كَالْمُصْحَفِ وَالدَّرَاهِمِ الْمَكْتُوبِ عليها لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أو غَيْرُ ذلك من عَلَامَاتِ الْإِسْلَامِ أو عَلَامَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ من الدَّرَاهِمِ الْمَنْقُوشِ عليها الصَّنَمُ أو الصَّلِيبُ وَنَحْوُ ذلك أو لَا عَلَامَةَ بِهِ أَصْلًا فَإِنْ وُجِدَ في دَارِ الْإِسْلَامِ في أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ كَالْجِبَالِ وَالْمَفَاوِزِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ كان بِهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ يُصْنَعُ بِهِ ما يُصْنَعُ بِاللُّقَطَةِ يُعْرَفُ ذلك في كتاب اللُّقَطَةِ لِأَنَّهُ إذَا كان بِهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ كان مَالَ الْمُسْلِمِينَ وَمَالُ الْمُسْلِمِينَ لَا يُغْنَمُ إلَّا أَنَّهُ مَالٌ لَا يُعْرَفُ مَالِكُهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ‏.‏

وَإِنْ كان بِهِ عَلَامَةُ الْجَاهِلِيَّةِ فَفِيهِ الْخُمُسُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ بِلَا خِلَافٍ كَالْمَعْدِنِ على ما بُيِّنَ وَإِنْ لم يَكُنْ بِهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ وَلَا عَلَامَةُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ قِيلَ إنَّ في زَمَانِنَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ اللُّقَطَةِ أَيْضًا وَلَا يَكُونُ له حُكْمُ الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ عَهْدَ الْإِسْلَامِ قد طَالَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ من مَالِ الْكَفَرَةِ بَلْ من مَالِ الْمُسْلِمِينَ لم يُعْرَفْ مَالِكُهُ فَيُعْطَى له حُكْمُ اللُّقَطَةِ وَقِيلَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ الْكُنُوزَ غَالِبًا بِوَضْعِ الْكَفَرَةِ‏.‏ وَإِنْ كان بِهِ عَلَامَةُ الْجَاهِلِيَّةِ يَجِبُ فيه الْخُمُسُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عن الْكَنْزِ فقال فيه وفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ وَلِأَنَّهُ في مَعْنَى الْغَنِيمَةِ لِأَنَّهُ اسْتَوْلَى عليه على طَرِيقِ الْقَهْرِ وهو على حُكْمِ مِلْكِ الْكَفَرَةِ فَكَانَ غَنِيمَةً فَيَجِبُ فيه الْخُمُسُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ وَسَوَاءٌ كان الْوَاجِدُ حُرًّا أو عَبْدًا مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا كَبِيرًا أو صَغِيرًا لِأَنَّ ما رَوَيْنَا من الحديث لَا يَفصل بين وَاجِدٍ وَوَاجِدٍ وَلِأَنَّ هذا الْمَالَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَجَبَ فيه الْخُمُسُ وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ والذمي ‏[‏والذي‏]‏ من أَهْلِ الْغَنِيمَةِ إلَّا إذَا كان ذلك بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَقَاطَعَهُ على شَيْءٍ فَلَهُ أَنْ يَفِيَ بِشَرْطِهِ لِقَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» وَلِأَنَّهُ إذَا قَاطَعَهُ على شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَ الْمَشْرُوطَ أُجْرَةً لِعَمَلِهِ فَيَسْتَحِقُّهُ بهذا الطَّرِيقِ وَإِنْ وُجِدَ في أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ يَجِبُ فيه الْخُمُسُ بِلَا خِلَافٍ لِمَا رَوَيْنَا من الحديث وَلِأَنَّهُ مَالُ الْكَفَرَةِ اسْتَوْلَى عليه على طَرِيقِ الْقَهْرِ فَيُخَمَّسُ وَاخْتُلِفَ في الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ‏.‏

قال أبو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هِيَ لِصَاحِبِ الْخُطَّةِ إنْ كان حَيًّا وَإِنْ كان مَيِّتًا فَلِوَرَثَتِهِ إنْ عُرِفُوا وَإِنْ كان لَا يُعْرَفُ صَاحِبُ الْخُطَّةِ وَلَا وَرَثَتُهُ تَكُون لِأَقْصَى مَالِكٍ لِلْأَرْضِ أو لِوَرَثَتِهِ وقال أبو يُوسُفَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ وَجْهُ قَوْلِهِ إنَّ هذا غَنِيمَةٌ ما وَصَلَتْ إلَيْهَا يَدُ الْغَانِمِينَ وَإِنَّمَا وَصَلَتْ إلَيْهِ يَدُ الْوَاجِدِ لَا غَيْرُ فَيَكُونُ غَنِيمَةً يُوجِبُ الْخُمُسَ وَاخْتِصَاصُهُ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عليه يُوجِبُ اخْتِصَاصَهُ بِهِ وهو تَفْسِيرُ الْمِلْكِ كما لو وَجَدَهُ في أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ وَلَهُمَا أَنَّ صَاحِبَ الْخُطَّةِ مَلَكَ الْأَرْضَ بِمَا فيها لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَهَا بِتَمْلِيكِ الْإِمَامِ‏.‏

وَالْإِمَامُ إنَّمَا مَلَكَ الْأَرْضَ بِمَا وُجِدَ منه وَمِنْ سَائِرِ الْغَانِمِينَ من الِاسْتِيلَاءِ وَالِاسْتِيلَاءُ كما وَرَدَ على ظَاهِرِ الْأَرْضِ وَرَدَ على ما فيها فَمَلَكَ ما فيها وَبِالْبَيْعِ لَا يَزُولُ ما فيها لِأَنَّ الْبَيْعَ يُوجِبُ زَوَالَ ما وَرَدَ عليه الْبَيْعُ وَالْبَيْعُ وَرَدَ على ظَاهِرِ الْأَرْضِ لَا على ما فيها وإذا لم يَكُنْ ما فيها تَبَعًا لها فَبَقِيَ على مِلْكِ صَاحِبِ الْخُطَّةِ وكان أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ له وَصَارَ هذا كَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً كانت ابتعلت ‏[‏ابتلعت‏]‏ لُؤْلُؤَةً أو اصْطَادَ طَائِرًا كان قد ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً إنه يَمْلِكُ الْكُلَّ وَلَوْ بَاعَ السَّمَكَةَ أو الطَّائِرَ لَا تَزُولُ اللُّؤْلُؤَةُ َالْجَوْهَرَةُ عن مِلْكِهِ لِوُرُودِ الْعَقْدِ على السَّمَكَةِ وَالطَّيْرِ دُونَ اللُّؤْلُؤَةِ وَالْجَوْهَرَةِ كَذَا هذا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَمْلِكُ صَاحِبُ الْخُطَّةِ ما في الْأَرْضِ بِتَمْلِيكِ الْإِمَامِ إيَّاهُ الْأَرْضَ وَالْإِمَامُ لو فَعَلَ ذلك لَكَانَ جَوْرًا في الْقِسْمَةِ وَالْإِمَامُ لَا يَمْلِكُ الْجَوْرَ في الْقِسْمَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِمَامَ ما مَلَّكَهُ إلَّا الْأَرْضَ فَبَقِيَ الْكَنْزُ غير مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ الْخُطَّةِ‏.‏

فَالْجَوَابُ عنه من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِمَامَ ما مَلَّكَهُ إلَّا رَقَبَةَ الْأَرْضِ على ما ذَكَرْتُمْ لَكِنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الْأَرْضَ بِتَمْلِيكِ الْإِمَامِ فَقَدْ تَفَرَّدَ بِالِاسْتِيلَاءِ على ما في الْأَرْضِ وقد خَرَجَ الْجَوَابُ عن وُجُوبِ الْخُمُسِ لِأَنَّهُ ما مَلَكَ ما في الْأَرْضِ بِتَمْلِيكِ الْإِمَامِ حتى يَسْقُطَ الْخُمُسُ وَإِنَّمَا مَلَكَهُ بِتَفَرُّدِهِ بالإستيلاء عليه فَيَجِبُ عليه الْخُمُسُ كما لو وَجَدَهُ في أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ وَالثَّانِي إن مُرَاعَاةَ الْمُسَاوَاةِ في هذه الْجِهَةِ في الْقِسْمَةِ مِمَّا يَتَعَذَّرُ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ هذا إذَا وَجَدَ الْكَنْزَ في دَارِ الْإِسْلَامِ‏)‏ فَأَمَّا إذَا وَجَدَهُ في دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ وَجَدَهُ في أَرْضٍ لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ لِأَحَدٍ فَهُوَ لِلْوَاجِدِ وَلَا خُمُسَ فيه لِأَنَّهُ مَالٌ أَخَذَهُ لَا على طَرِيقِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ لِانْعِدَامِ غَلَبَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ على ذلك الْمَوْضِعِ فلم يَكُنْ غَنِيمَةً فَلَا خُمُسَ فيه وَيَكُونُ الْكُلُّ له لِأَنَّهُ مُبَاحٌ اسْتَوْلَى عليه بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُهُ كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَسَوَاءٌ دخل بِأَمَانٍ أو بِغَيْرِ أَمَانٍ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ يَظْهَرُ في الْمَمْلُوكِ لَا في الْمُبَاحِ‏.‏

وَإِنْ وَجَدَهُ في أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِبَعْضِهِمْ فَإِنْ كان دخل بِأَمَانٍ رَدَّهُ إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ إذَا دخل بِأَمَانٍ لَا يَحِلُّ له أَنْ يَأْخُذَ شيئا من أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ لِمَا في ذلك من الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ في الْأَمَانَةِ فَإِنْ لم يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ يَصِيرُ مِلْكًا له لَكِنْ لَا يَطِيبُ له لِتَمَكُّنِ خُبْثِ الْخِيَانَةِ فيه فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ فَلَوْ بَاعَهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِقِيَامِ الْمِلْكِ لَكِنْ لَا يَطِيبُ لِلْمُشْتَرِي بِخِلَافِ بَيْعِ المشتري شِرَاءً فَاسِدًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يُذْكَرُ في كتاب الْبُيُوعِ إن شاء الله تعالى‏.‏

وَإِنْ كان دخل بِغَيْرِ أَمَانٍ حَلَّ له وَلَا خُمُسَ فيه أَمَّا الْحِلُّ فَلِأَنَّ له أَنْ يَأْخُذَ ما ظَفِرَ بِهِ من أَمْوَالِهِمْ من غَيْرِ رِضَاهُمْ وَأَمَّا عَدَمُ وُجُوبِ الْخُمُسِ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْخُوذٍ على سَبِيلِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ فلم يَكُنْ غَنِيمَةً فَلَا يَجِبُ فيه الْخُمُسُ حتى لو دخل جَمَاعَةٌ مُمْتَنِعُونَ في دَارِ الْحَرْبِ فَظَفِرُوا بِشَيْءٍ من كُنُوزِهِمْ يَجِبُ فيه الْخُمُسُ وَلِكَوْنِهِ غَنِيمَةً لِحُصُولِ الْأَخْذِ على طَرِيقِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَإِنْ وَجَدَهُ في أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِأَحَدٍ أو في دَارِ نَفْسِهِ فَفِيهِ الْخُمُسُ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْكَنْزَ ليس من أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَلِهَذَا لم تَكُنْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَوْ وَجَدَ فيه الْمُؤْنَةَ وهو الْخُمُسُ لم يَصِرْ الْجُزْءُ مُخَالِفًا لِلْكُلِّ بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ على ما نَذْكُرُ وَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في ذلك عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ هِيَ لِلْمُخْتَطِّ له وَعِنْدَ أبي يُوسُفَ لِلْوَاجِدِ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ وَلَهُمَا أَنَّ هذا مَالٌ مُبَاحٌ سَبَقَتْ إلَيْهِ يَدُ الْخُصُوصِ وَهِيَ يَدُ الْمُخْتَطِّ يَصِيرُ مِلْكًا له كَالْمَعْدِنِ إلَّا أَنَّ الْمَعْدِنَ انْتَقَلَ بِالْبَيْعِ إلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ من أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَالْكَنْزُ لم يَنْتَقِلْ إلَيْهِ لِأَنَّهُ ليس من أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ وَالتَّمْلِيكِ فَإِنْ اسْتَوْلَى عليه بِالِاسْتِيلَاءِ فَيَبْقَى على مِلْكِهِ كَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً في بَطْنِهَا دُرَّةٌ مَلَكَ السَّمَكَةَ وَالدُّرَّةَ لِثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِمَا فَلَوْ بَاعَ السَّمَكَةَ بَعْدَ ذلك لم تَدْخُلْ الدُّرَّةُ في الْبَيْعِ كَذَا هَهُنَا وَالْمُخْتَطُّ له من خَصَّهُ الْإِمَامُ بِتَمْلِيكِ الْبُقْعَةِ منه فَإِنْ لم يُعْرَفْ الْمُخْتَطُّ له يُصْرَفْ إلَى أَقْصَى مَالِكٍ له يُعْرَفُ في الْإِسْلَامِ كذا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ السَّرَخْسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هذا إذَا وُجِدَ الْكَنْزُ في دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الْمَعْدِنُ فَالْخَارِجُ منه في الْأَصْلِ نَوْعَانِ مُسْتَجْسِدٌ وَمَائِعٌ وَالْمُسْتَجْسِدُ منه نَوْعَانِ أَيْضًا نَوْعٌ يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ وَيَنْطَبِعُ بِالْحِلْيَةِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَنَحْوِ ذلك وَنَوْعٌ لَا يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ كَالْيَاقُوتِ والبللور ‏[‏والبلور‏]‏ وَالْعَقِيقِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالْكُحْلِ وَالْمَغْرَةِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَنَحْوِهَا

وَالْمَائِعُ نَوْعٌ آخَرُ كَالنَّفْطِ وَالْقَارِ وَنَحْوِ ذلك وَكُلُّ ذلك لَا يَخْلُو إمَّا إن وَجَدَهُ في دَارِ الْإِسْلَامِ أو في دَارِ الْحَرْبِ في أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أو غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ‏.‏

فَإِنْ وُجِدَ في دَارِ الْإِسْلَامِ في أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ فَالْمَوْجُودُ مِمَّا يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ وَيَنْطَبِعُ بِالْحِلْيَةِ يَجِبُ فيه الْخُمُسُ سَوَاءٌ كان ذلك من الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أو غَيْرِهِمَا مِمَّا يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ وَسَوَاءٌ كان قَلِيلًا أو كَثِيرًا فَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ كَائِنًا من كان إلَّا الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ فإنه يُسْتَرَدُّ منه الْكُلُّ إلَّا إذَا قَاطَعَهُ الْإِمَامُ فإن له أَنْ يَفِيَ بِشَرْطِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وقال الشَّافِعِيُّ في مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ رُبُعُ الْعُشْرِ كما في الزَّكَاةِ حتى شَرَطَ فيه النِّصَابَ فلم يُوجِبْ فِيمَا دُونَ الْمِائَتَيْنِ وَشَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْحَوْلَ أَيْضًا وَأَمَّا غَيْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَا خُمُسَ فيه وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْوَاجِبُ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ في الْكُلِّ لَا يُشْتَرَطُ في شَيْءٍ منه شَرَائِطُ الزَّكَاةِ وَيَجُوزُ دَفْعُهُ إلَى الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ الْفُقَرَاءِ كما في الْغَنَائِمِ وَيَجُوزُ لِلْوَاجِدِ أَنْ يَصْرِفَ إلَى نَفْسِهِ إذَا كان مُحْتَاجًا وَلَا تُغْنِيهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أقطع بِلَالَ بن الْحَارِثِ الْمَعَادِنَ القبلية ‏[‏القليلة‏]‏ وكان يَأْخُذُ منها رُبُعَ الْعُشْرِ وَلِأَنَّهَا من نَمَاءِ الْأَرْضِ وَرِيعِهَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ فيها الشعر ‏[‏العشر‏]‏ إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِرُبُعِ الْعُشْرِ لِكَثْرَةِ الْمُؤْنَةِ في اسْتِخْرَاجِهَا وَلَنَا ما رُوِيَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال وفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ وهو اسْمٌ لِلْمَعْدِنِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يُطْلَقُ على الْكَنْزِ مَجَازًا لِدَلَائِلَ أَحَدُهَا أَنَّهُ مَأْخُوذٌ من الرَّكْزِ وهو الْإِثْبَاتُ وما في الْمَعْدِنِ هو الْمُثَبَّتُ في الْأَرْضِ لَا الْكَنْزُ لِأَنَّهُ وُضِعَ مُجَاوِرًا لِلْأَرْضِ وَالثَّانِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سُئِلَ عَمَّا يُوجَدُ من الْكَنْزِ الْعَادِيِّ فقال فيه وفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ عَطَفَ الرِّكَازَ على الْكَنْزِ وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ على نَفْسِهِ هو الْأَصْلُ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ منه الْمَعْدِنُ‏.‏

وَالثَّالِثُ ما رُوِيَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قال الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْقَلِيبُ جُبَارٌ وفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ قِيلَ وما الرِّكَازُ يا رَسُولَ اللَّهِ فقال هو الْمَالُ الذي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الْأَرْضِ يوم خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَدَلَّ على أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَعْدِنِ حَقِيقَةً فَقَدْ أَوْجَبَ النبي صلى الله عليه وسلم الْخُمُسَ في الْمَعْدِنِ من غَيْرِ فصل بين الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا فَدَلَّ أَنَّ الْوَاجِبَ هو الْخُمُسُ في الْكُلِّ وَلِأَنَّ الْمَعَادِنَ كانت في أَيْدِي الْكَفَرَةِ وقد زَالَتْ أَيْدِيهِمْ ولم تَثْبُتْ يَدُ الْمُسْلِمِينَ على هذه الْمَوَاضِعِ لِأَنَّهُمْ لم يَقْصِدُوا الِاسْتِيلَاءَ على الْجِبَالِ وَالْمَفَاوِزِ فَبَقِيَ ما تِحَتَهَا على حُكْمِ مِلْكِ الْكَفَرَةِ وقد اسْتَوْلَى عليه على طَرِيقِ الْقَهْرِ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ فيه الْخُمُسُ وَيَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ له كما في الْكَنْزِ وَلَا حُجَّةَ له في حديث بِلَالِ بن الْحَارِثِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا لم يَأْخُذْ منه ما زَادَ على رُبُعِ الْعُشْرِ لِمَا عَلِمَ من حَاجَتِهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا على ما نَذْكُرُهُ فَيُحْمَلُ عليه عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ‏.‏

وَأَمَّا ما لَا يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ فَلَا خُمُسَ فيه وَيَكُونُ كُلُّهُ لِلْوَاجِدِ لِأَنَّ الزِّرْنِيخَ وَالْجِصَّ وَالنُّورَةَ وَنَحْوَهَا من أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَكَانَ كَالتُّرَابِ وَالْيَاقُوتَ وَالْفُصُوصَ من جِنْسِ الْأَحْجَارِ إلَّا أنها أَحْجَارٌ مُضِيئَةٌ وَلَا خُمُسَ في الْحَجَرِ وَأَمَّا الْمَائِعُ كَالْقِيرِ والنفظ ‏[‏والنفط‏]‏ فَلَا شَيْءَ فيه وَيَكُونُ لِلْوَاجِدِ لِأَنَّهُ مَاءٌ وإنه مِمَّا لَا يُقْصَدُ بِالِاسْتِيلَاءِ فلم يَكُنْ في يَدِ الْكُفَّارِ حتى يَكُونَ من الْغَنَائِمِ فَلَا يَجِبُ فيه الْخُمُسُ وَأَمَّا الزِّئْبَقُ فَفِيهِ الْخُمُسُ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ الْآخَرِ وكان يقول أَوَّلًا لَا خُمُسَ فيه وهو قَوْلُ أبي يُوسُفَ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ وقال فيه الْخُمُسُ فإن أَبَا يُوسُفَ قال سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عن الزِّئْبَقِ فقال لَا خُمُسَ فيه فلم أَزَلْ بِهِ حتى قال فيه الْخُمُسُ وَكُنْت أَظُنُّ أَنَّهُ مِثْلُ الرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ ثُمَّ بَلَغَنِي بَعْدَ ذلك أَنَّهُ ليس كَذَلِكَ وهو بِمَنْزِلَةِ الْقِيرِ وَالنَّفْطِ وَجْهُ قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَنْطَبِعُ بِنَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ‏.‏

وَجْهُ قول الْآخَرِ وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ أنه يطبع ‏[‏ينطبع‏]‏ مع غَيْرِهِ وإن كان لَا يَنْطَبِعُ بِنَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الْفِضَّةَ لِأَنَّهَا لَا تَنْطَبِعُ بِنَفْسِهَا لَكِنْ لَمَّا كانت تَنْطَبِعُ مع شَيْءٍ آخَرَ يُخَالِطُهَا من نُحَاسٍ أو آنُكِ وَجَبَ فيها الْخُمُسُ كَذَا هذا هذا إذَا وُجِدَ الْمَعْدِنُ في دَارِ الْإِسْلَامِ في أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ فَأَمَّا إذَا وَجَدَهُ في أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أو دَارٍ أو مَنْزِلٍ أو حَانُوتٍ فَلَا خِلَافَ في أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ وجده ‏[‏وحده‏]‏ هو أو غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمَعْدِنَ من تَوَابِعِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ من أَجْزَائِهَا خُلِقَ فيها وَمِنْهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ في الْبَيْعِ من غَيْرِ تَسْمِيَةٍ فإذا مَلَكَهَا الْمُخْتَطُّ له بِتَمْلِيكِ الْإِمَامِ مَلَكَهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَتَنْتَقِلُ عنه إلَى غَيْرِهِ بِالْبَيْعِ بِتَوَابِعِهَا أَيْضًا بِخِلَافِ الْكَنْزِ على ما مَرَّ‏.‏

وَاخْتُلِفَ في وُجُوبِ الْخُمُسِ قال أبو حَنِيفَةَ لَا خُمُسَ فيه في الدَّارِ وفي الْأَرْضِ عنه رِوَايَتَانِ ذَكَرَ في كتاب الزَّكَاةِ أَنَّهُ لَا خُمُسَ فيه وَذَكَرَ في الصَّرْفِ أَنَّهُ يَجِبُ فيه الْخُمُسُ وَكَذَا ذَكَرَ في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وقال أبو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجِبُ فيه الْخُمُسُ في الْأَرْضِ وَالدَّارِ جميعا إذَا كان الْمَوْجُودُ مِمَّا يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ وَاحْتَجَّا بِقَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم وفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ من غَيْرِ فصل وَالرِّكَازُ اسْمٌ لِلْمَعْدِنِ حَقِيقَةً لِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّ الْإِمَامَ مَلَكَ الْأَرْضَ من مِلْكِهِ مُتَعَلِّقًا بهذا الْخُمُسِ لِأَنَّهُ حَقُّ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِمْ وَجْهُ قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ أن الْمَعْدِنَ جُزْءٌ من أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَيُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ وَالْإِمَامُ مَلَكَهُ مُطْلَقًا عن الْحَقِّ فَيَمْلِكُهُ الْمُخْتَطُّ له كَذَلِكَ وَلِلْإِمَامِ هذه الْوِلَايَةُ‏.‏

أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو جُعِلَ الْكُلُّ لِلْغَانِمِينَ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ مع الْخُمُسِ إذَا عُلِمَ أَنَّ حَاجَتَهُمْ لَا تَنْدَفِعُ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ جَازَ وإذا مَلَكَهُ الْمُخْتَطُّ له مُطْلَقًا عن حَقٍّ مُتَعَلِّقٍ بِهِ فَيَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ كَذَلِكَ وَجْهُ الْفَرْقِ بين الدَّارِ وَالْأَرْضِ على الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إن تَمْلِيكَ الْإِمَامِ الدَّارَ جُعِلَ مُطْلَقًا عن الْحُقُوقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فيها الْعُشْرُ وَلَا الْخَرَاجُ بِخِلَافِ الْأَرْضِ فإن تَمْلِيكَهَا وُجِدَ مُتَعَلِّقًا بها الْعُشْرُ أو الْخَرَاجُ فَجَازَ أَنْ يَجِبَ الْخُمُسُ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ على ما إذَا وَجَدَهُ في أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ تَوْفِيقًا بين الدَّلِيلَيْنِ هذا إذَا وَجَدَهُ في دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّا إذَا وَجَدَهُ في دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ وَجَدَهُ في أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ فَهُوَ له وَلَا خُمُسَ فيه لِمَا مَرَّ وَإِنْ وَجَدَهُ في مِلْكِ بَعْضِهِمْ فَإِنْ دخل بِأَمَانٍ رُدَّ على صَاحِبِ الْمِلْكِ لِمَا بَيَّنَّا وَإِنْ دخل بِغَيْرِ أَمَانٍ فَهُوَ له وَلَا خُمُسَ فيه كما في الْكَنْزِ على ما بَيَّنَّا هذا الذي ذَكَرْنَا في حُكْمِ الْمُسْتَخْرَجِ من الْأَرْضِ فَأَمَّا الْمُسْتَخْرَجُ من الْبَحْرِ كَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَكُلِّ حِلْيَةٍ تُسْتَخْرَجُ من الْبَحْرِ فَلَا شَيْءَ فيه في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وهو لِلْوَاجِدِ وَعِنْدَ أبي يُوسُفَ فيه الْخُمُسُ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَامِلَ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه كَتَبَ إلَيْهِ في لؤلؤ ‏[‏لؤلؤة‏]‏ وُجِدَتْ ما فيها قال فيها الْخُمُسُ‏.‏

وروى عنه أَيْضًا أَنَّهُ أَخَذَ الْخُمُسَ من الْعَنْبَرِ وَلِأَنَّ الْعُشْرَ يَجِبُ في الْمُسْتَخْرَجِ من الْمَعْدِنِ فَكَذَا في الْمُسْتَخْرَجِ من الْبَحْرِ لِأَنَّ الْمَعْنَى يجمعهما ‏[‏بجمعهما‏]‏ وهو كَوْنُ ذلك مَالًا مُنْتَزَعًا من أَيْدِي الْكُفَّارِ بِالْقَهْرِ إذْ الدُّنْيَا كُلُّهَا بَرُّهَا وَبَحْرُهَا كانت تَحْتَ أَيْدِيهِمْ انْتَزَعْنَاهَا من بين أَيْدِيهِمْ فَكَانَ ذلك غَنِيمَةً فَيَجِبُ فيه الْخُمُسُ كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ وَلَهُمَا ما رُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ سُئِلَ عن الْعَنْبَرِ فقال هو شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ لَا خُمُسَ فيه وَلِأَنَّ يَدَ الْكَفَرَةِ لم تَثْبُتْ على بَاطِنِ الْبِحَارِ التي يُسْتَخْرَجُ منها اللُّؤْلُؤُ وَالْعَنْبَرُ فلم يَكُنْ الْمُسْتَخْرَجُ منها مَأْخُوذًا من أَيْدِي الْكَفَرَةِ على سَبِيلِ الْقَهْرِ فَلَا يَكُونُ غَنِيمَةً فَلَا يَكُونُ فيه الْخُمُسُ وَعَلَى هذا قال أَصْحَابُنَا أنه إنْ اسْتَخْرَجَ من الْبَحْرِ ذَهَبًا أو فِضَّةً فَلَا شَيْءَ فيه لِمَا قُلْنَا وَقِيلَ في الْعَنْبَرِ أنه مَائِعٌ نَبَعَ فَأَشْبَهَ الْقِيرَ‏.‏

وَقِيلَ أنه رَوْثٌ دابة فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَرْوَاثِ وما رُوِيَ عن عُمَرَ في اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ مَحْمُولٌ على لُؤْلُؤٍ وَعَنْبَرٍ وُجِدَ في خَزَائِنِ مُلُوكِ الْكَفَرَةِ فَكَانَ مَالًا مَغْنُومًا فَأَوْجَبَ فيه الْخُمُسَ وَأَمَّا الثَّانِي هو بَيَانُ من يَجُوزُ صَرْفُ الْخُمُسِ إلَيْهِ وَمَنْ له وِلَايَةُ الْأَخْذِ وَبَيَانُ مَصَارِفِ الْخُمُسِ مَوْضِعُهُ كتاب السِّيَرِ وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالْعُشْرِ وَيَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى نَفْسِهِ إذَا كان مُحْتَاجًا لَا تُغْنِيهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسُ بِأَنْ كان دُونَ الْمِائَتَيْنِ فَأَمَّا إذَا بَلَغَ مِائَتَيْنِ لَا يَجُوزُ له تَنَاوُلُ الْخُمُسِ وما رُوِيَ عن عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ تَرَكَ الْخُمُسَ لِلْوَاجِدِ مَحْمُولٌ على ما إذَا كان مُحْتَاجًا وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالْخُمُسِ بِنَفْسِهِ على الْفُقَرَاءِ ولم يَدْفَعْهَا إلَى السُّلْطَانِ جَازَ وَلَا يُؤْخَذُ منه ثَانِيًا بِخِلَافِ زَكَاةِ السَّوَائِمِ وَالْعُشْرِ وَالله أعلم‏.‏